Overblog
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
12 mai 2013 7 12 /05 /mai /2013 18:38

Article paru dans le magazine "Le Maghreb" n°196 en date du vendredi 6 Avril 1990

 

Torki_Charfi.jpg

Source : https://www.facebook.com/BechirTorki

Partager cet article

Repost0
12 mai 2013 7 12 /05 /mai /2013 18:24

Ci-dessous le lien de téléchargement des livres:

http://betorki.wordpress.com/livres/

Partager cet article

Repost0
10 mai 2013 5 10 /05 /mai /2013 12:08

 Ce n'est un secret pour personne que le CFCM, officiellement indépendant, fait acte d'allégeance au ministère de l'intérieur plutôt qu'à la Chariaa. A l'opposé, ce même ministère, ainsi que la plupart des politiciens français, font, inversement, acte d'allégeance au CRIF.

 Béchir Torki, dans son ouvrage intitulé "L'Islam religion de la science", a écrit, explications scientifiques à l'appui: "La lune est la meilleure horloge du Cosmos. Personne d'autre que Dieu ne peut prévoir l'apparition du croissant."


 

 Un autre grand spécialiste Paul Muller, a écrit à ce sujet dans son livre "dictionnaire de l'Astronomie" (Larousse) en citant les travaux de plusieurs mathématiciens, dont Delauny, et il conclut : "Ceci montre encore une fois que le moment d'apparition  du croissant fait partie de l'inconnaissable que nous ne pouvons et ne pourrons jamais prévoir. Et le commencement du mois lunaire qui correspond à l'apparition du croissant ne peut être déterminé que par l'observation directe ou avec des des appareils d'observation astronomique."

Ensuite, scientifiquement, on n'a jamais démontré que le calcul astronomique pouvait déterminer le début d'un mois lunaire. Béchir Torki, dans son ouvrage intitulé "L'Islam religion de la science", a écrit, explications scientifiques à l'appui: "La lune est la meilleure horloge du Cosmos. Personne d'autre que Dieu ne peut prévoir l'apparition du croissant."


 

قال صلى الله عليه وسلم: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ: فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ)،وفي رواية: (فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ)،وفي رواية: (فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ)، ورواية أخرى: (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ).

Partager cet article

Repost0
29 mars 2013 5 29 /03 /mars /2013 13:13

L'enregistrement en question a été réalisé fin Avril-début Mai 1978 (fin Joumada 1398)

 

الشيخ محمد صالح النيفر رحمه الله وهو الشيخ المؤسس لحركة الاتجاه الإسلامي في تونس يوضّح فضل أهل الصوفيّة و الزوايا و الرباط في مواجهة الحملات الصليبيّة و الاستعماريّة في تونس و جلّ البلاد الإسلاميّة في التاريخ المعاصر و القديم و في تعليم العلوم و الحفاظ على صفا العقيدة الإسلاميّة و يبيّن أنّ منهج الصوفيّة الحقّ, المطهّرة من ممارسات بعض الدجالين الذين يتاجرون بأسماء الأولياء و الزوايا لربح المال, إنّما هو منهج النبيّ صلّ الله عليه و سلّم و الصحابة رضي الله عنهم.

 

 


  Vidéo postée sur Youtube par Mohamed Mabrouk le 27 Mars 2013

Partager cet article

Repost0
15 février 2013 5 15 /02 /février /2013 20:06

L’intérêt supérieur du pays et des Tunisiens est de traverser cette période transitoire en respectant la légalité issue des urnes, qui est la seule légitime.


En attendant les prochaines élections qui doivent être réalisées dans moins d'un an, l'opposition, pour être honnête et patriote, ne doit, ni s'impatienter comme elle le fait, ni saboter l’économie en connivence avec une direction de l'Ugtt politisée, et encore moins encourager la désunion des Tunisiens à l'aide de médias usant de la désinformation, médias appuyés par les grands délinquants économiques de l'ancien régime .


Au contraire, son devoir lui commande de contribuer à faire réussir cette courte période de transition, difficile, transitoire et de tous les dangers, période pendant laquelle il est prévu de mettre en place des institutions solides et fiables, ceci, malgré les insuffisances du parti Ennahdha et du gouvernement actuel, et malgré leurs erreurs et leurs errements, voir même certains de leurs actes répréhensibles.


C'est seulement à l'issue de cette période délicate et dangereuse pour la stabilité et la sécurité de notre pays, qu'une république démocratique au dessus de tout soupçon pourrait naître avec des représentants, non provisoires, élus librement par le peuple.


Aussi, il est de notre devoir de nous dresser comme un seul homme contre toute tentative illégale pour éviter de tomber dans le piège des contre-révolutionnaires de tous bords qui veulent nous entraîner dans l'abîme et risquer de mettre le pays à feu et à sang, uniquement pour leurs intérêts personnels au détriment de la nation toute entière. 

Partager cet article

Repost0
2 janvier 2013 3 02 /01 /janvier /2013 22:09

Cliquer pour télécharger l'article

 

Description du contenu:

 

 

Partager cet article

Repost0
3 septembre 2012 1 03 /09 /septembre /2012 22:09

 

الشيخ محمد الصالح النيفر : وقفات مع التنوير الفلسفي والإصلاح الاجتماعي في الجزائر

 

 

تقديم الدكتور عبد القادر تومي

أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة بوزريعة

نص المداخلة الخاصة

 بندوة يوم القدس

29رمضان/ 17 أوت 2012

تونس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله مستحق الحمد الذي أَطعم وأنعم ويسر ورحم، والصلاة والسلام على من اصطفاه رحمة للعالمين وقائداً للغر الميامين و إماماً للمتقين وشفيعاً للمسلمين سيدنا ونبينارسول الله (محمد بن عبد الله) عليه وعلى صحابته الأبرار و آله الأخيار.

 أما بعد

دعوني في البداية ان انقل لحضرتكم سلام إخوانكم  الجزائريون الذين حملوني أمانة ايصال تحاياهم الى مجلسكم هذا وأمانيهم بنجاح ندوتكم المباركة وهؤلاء هم الاستاذ الفاضل نور الدين كرواز، الدكتور عبد الحليم بوزيد، والدكتور عبد الرزاق قسوم ، والدكتور عمار طالبي، والدكتور محمد حجازي والشيخ البخاري وهم من العلماء الذين رافقوا الشيخ النيفر او كانوا طلبة في حلقاته العلمية.

 يقول سيد قطب عند حديثه عن الفكرة التي تعيش طويلا: " عندما نعيش لذواتنا  تبدو الحياة قصيرة ضئيلة تبدأ من حيث بدأنا  نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود. أما عندما نعيش لغيرنا، أي عندما نعيش لفكرة فإن الحياة تبدو طويلة ، عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض.... "[1]

إن هذه المقولة القطبية  لتنطبق على هذا الرجل "الأمة" الذي ما يزال بآثاره يحيا بيننا، انه اعالم الجليل ، الفيلسوف في مواقفه والمصلح في أعماله ونشاطه المناضل الزيتوني الذي راهن على قوة وروح المجتمع الإسلامي انه الشيخ المجاهد محمد الصالح النيفر عليه رحمة الله تعالى ورضوانه و بركاته  و أسكنه فسيح جنانه، و ألحقه بعباده الصالحين، اللهم آمين يا رب العالمين.

فان كان قد غادر هذه الدنيا فان أفكاره ما زالت متلألئة كالنجوم التي تضيء سماءنا والفضل يعود إلى هؤلاء الذين  عهدوا على أنفسهم جمع وإثراء ما تركه  هذا الكوكب  في دنيا الأمة الإسلامية.

في هذه المداخلة اخصصها للحديث عن أعمال الرجل في الجزائر فأسوق لكم بعض الشهادات التي ادلى بها اصحابها  عن نوعية نشاطه ومميزات خطابه، ومصطلحاته التي كان يركز عليها في حلقاته العلمية.

وهذه المساهمة المتواضعة  تمثل رؤية من زاوية فلسفية  عامة ، رصدتُ من خلالها النظرة الفلسفية ، ومنهج التعامل مع قضايا الواقع الجزائري في آثار الشيخ  محمد الصالح النيفر ، مع انتقاء موضوعات رأيت أن الفلسفة حاضرة  فيها ، بشواهدها وقوانينها التي وعاها الشيخ، وقدمها فكرا ينضح بالنور ، وسيرة تُشع بالعبرة  .

وكما تحاول أن تقرأالجوانب الواقعية لفكر وفلسفة الشيخ. فإنها تركز على الخطاب الإصلاحي الذي كان يعتمد على الأسلوب المنهجي في التعامل مع الأخر.وهو الأسلوب الذي يتطلب العقلانية في التفكير والمنطقية في الفهم والواقعية في التصور وهو ما مارسه الشيخ في  مواعظه الدينية في بيته أو المساجد،  أو في دروسه التعليمية في المعاهد الثانوية والجامعية، الأمر الذي يجعلنا نميز في الخطاب الإصلاحي لدى الشيخ النيفر مجموعة من المميزات الأولى تخص مضمون الخطاب والثانية تدور حول منهج الخطاب الإصلاحي عنده.

  كما نشير في البداية أن معتمدي في هذا البحث الكتاب الذي ألفته السيدة أروى عن أبيها وما نشر في بعض المواقع الالكترونية عنه بالإضافة إلى الروايات التي جمعتها عنه في الجزائر من أصدقائه الذين عرفوه وعاشروه عن قرب خاصة السيد نور الدين كرواز[2] الذي نحييه ونتمنى له كل الخير.

             عالم تونسي في بلاد الجزائر

يقول الشاعر:

إذا أنت لم تكرم بأرضك فارتحل   *******   فلا خير في أرض مهان كريمها

دخل الجزائر في يوم عيد الفطر من سنة 1963م ، وتنقل لنا السيدة أروى في كتابها عن أبيها وهو يتحدث عن خروجه من تونس وتوجهه إلى الجزائر:" ولما داخلتني الشكوك القوية في النوايا ولم أجد السبيل أمامي لتحويل  الوجهة أو توجيه النصح النافع تركت البلاد إلى جارتنا الجزائر فوجدت نفسي فيها ....وجدت نفسي بين قوم أرأف بي وأكثر لطفا على من أهلي وعشيرتي "[3] فاستقر في بداية الأمر في مدينة البليدة وأسندت له فيها مهمة إدارة المعهد  الإسلامي التابع لوزارة الأوقاف، ثم طلب الانتقال إلى مدينة ابن باديس مدينة قسنطينة، حيث التحقت به زوجته وابنته الصغرى هالة، وفي هذه المدينة مارس مهنة التعليم الثانوي في إحدى ثانويات قسنطينة، ليتحول فيما بعد لتدريس الفلسفة الإسلامية في جامعة المدينة. وفيها أسس مع ثلة من الجزائريين جمعية الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي وكانت بالنسبة له إطارا لنشر الوعي الإسلامي في صفوف الشباب الجزائري. هذا الوعي الذي وصفه الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة قائلا: " كان العالم الواعظ الشيخ محمد الصالح النيفر الإمام بجامع سيدي الكتاني في قسنطينة يقوم بتوعية إسلامية في أوساط الشباب الجزائري بقسنطينة وغيرها من المدن الجزائرية بواسطة الخطب الوعظية والدروس الدينية. وقد شكر الشاعر له هذه المواقف المحمودة فحياه بالأبيات التالية:

حي الإمام (النيفري) وقل له …*… بشرى لنا بك من إمام داعي
إن الجزائر بوأتك مكانة …*… مرموقة لندائك السماع
لك في مساجدها مجالس دعوة …*… كمجالس (البصري) و (الأوزاعي)
تدعو لإحياء التراث شبابها …*… وتدله بأدلة الإقناع
لم لا يكون من اقتدى بك صالحا …*… وقد استجاب لـ (صالح) نفاع
واصلت توعية الشباب فحاد عن …*… سبل الضلال ومال للإقلاع
إن الشباب إذا اهتدى بلغ المدى …*… من وعيه وأقر عين الراعي
وهل ارتقت شتى الشعوب وهل نمت …*… إلا على أيدي الشباب الواعي

 في البداية نشير الى أن جميع الشهادات التي جمعتها عن الشيخ  تصب في مصب واحد وهو ان الرجل عالم جليل من طينة العلماء الكبار كابن باديس ومالك بن نبي ومحمد عبده والإمام الخميني  والشيخ الشعراوي والشيخ النعيمي  وغيرهم من ابناء امة الاسلام.

يعتبر الشيخ النيفر مرجعية قوية في الجزائر خاصة في جهة الشرق الجزائري اقصد باتنة وسطيف وسكيكدة وميلة ..كما يشهد  بذلك الاستاذ كرواز

1-                  الشيخ النيفر و التنوير الفلسفي

إن أهم ما نلمسه في الخطاب الإصلاحي لدي الشيخ نجده يتحدث عن موضوعات دينية و فكرية بنظرة فلسفية ثاقبة ويقدم رؤيا فلسفية  وفق أرضية إسلامية  صلبة ويشرح سنن الكون وفق منطق محكم سليم، ويقرا الفقه الإسلامي قراءة واعية تستهدف استنهاض الهمم كما يقول الدكتور عبد الحليم بوزيد، وتدفع إلى التأمل والعمل بمقتضيات الشرع الحكيم.

  قال في إحدى مقالاته عن الفلسفة مقارنا بينها وبين الحكمة على أن الأولى تفكير وبحث أما الثانية فهي تفكير وعمل مستشهدا برأي الغزالي حين قال لأحد تلاميذه:" أيها الولد لا تكن من الأعمال مفلسا ولا من الأحوال خاليا فلو قرأ رجل مائة مسألة علمية وتعلمها ولم يعمل بها لا تفيده إلا بالعمل"[4] مصداقا لقوله تعالى" فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا"[5]

وبالنسبة إليه فان العمل ادخل على مدلول الفلسفة فأصبح ما دعا إلى إليه القران من حكمة هو فلسفة بما أنها أي الفلسفة هي إعمال النظر في الأصول والعلل مع الاعتماد على البرهان العقلي للانتفاع من قوى الكون[6] مستندا إلى الموقف الرشدي الوارد في كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال" والقاضي بان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات، وان النظر إما واجب بالشر ع  أو مندوب إليه، وان  الشرع قد اوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها " فاعتبروا  يا أولى  الأبصار"[7]

          وأثناء حديثه عن الفلسفة الإسلامية بين دعوة القرآن لاستعمال العقل في تفهم الأشياء، عللها ومعلولاتها، وفي المقابل ينكر على أولائك الذين لا يستعملون عقولهم، وحجته أن هذا الدين بني على التفكير والتدبير[8] وما أكثر آيات القرآن التي تشير إلى هذا الأمرقال تعالى "قُل سِيِرُوا في الأَرضِ فانظروا كَيفَ بدأ الخلق"[9]
ولقد دعانا ديننا إلى التفَكُّر في خلق الله تعالى حيث قال ربنا "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب* الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار" [10]

ولقد بين الشيخ النيفر مراتب العقل ومواضع اختصاصه  ودوره في التفهم والتفقه لنصوص الشرع وقد ساير موقف الغزالي في توضيح العلاقة الضرورية بين العقل والشرع[11]

كما عرض الشيخ لمسائل فلسفية فطرح الفكر الإنساني عموما والفكر الفلسفي الإسلامي خصوصا مثل الشك و موضوع السببية  مستندا إلى مواقف فلسفية سابقة كتلك التي استلهمها من الفكر الديكارتي أو ما أفرزته فلسفة أبي حامد الغزالي خاصة من خلال كتابيه المنقذ من الضلال أو إحياء علوم الدين.

الأمر الذي يجعلنا نقول أن الشيخ النيفر قد جمع مشارب الفكر الإنساني بين يديه مستفيدا مما أنتجه الفكر الإسلامي أو غير الإسلامي[12].

وقد جمعت السيدة أروى مختلف الموضوعات الفلسفية التي عالجها الشيخ من زاويته الدينية من ذلك حديثه عن إعجاز القرآن في شأن الوعد والوعيد (ص357) وسنن الله في الكون الثابتة (ص361)

وخاض في الفرق الإسلامية مبينا حقيقة بعضها والاختلافات فيما بينها[13]. و تحدث عن التصوف الإسلامي [14] ومظاهره، وعلاقته بموضوعات ترتبط بمفهومه كمذهب وحدة الوجود، وظاهرة الكشف، وقد ساق لنا أبياتا شعرية من الأدب الصوفي يوضح فيها مقولاته.

وتحدث عن الحضارة الإسلامية وأساسها العقيدي، وخصائصها الفكرية والاجتماعية والعمرانية بين الشيخ النيفر مسائل مهمة تدور حول محورية الإنسان المسلم في الكون، والقوانين التي تحكم علاقته بربه عقيديا، وبغيره من البشر في إطار من المعاملات الشخصية والاجتماعية[15] واخذ التشريع في الإسلام ، والفقه ومذاهبه، ومسائل الاجتهاد، مكانا مهما من دروسه التي كان يلقيها على الناس ويعظهم بها.

ومن جهة المحاصنة والممانعة كان الشيخ النيفر للمفسدين بالمرصاد  فعالج بعض المذاهب  الغربية التي كان لها أثرها على الواقع  كموضوع العلمانية وأشار إلى الخداع الذي يمارسه المفسدون تحت عناوين مختلفة (اللائكية، الحداثة، الاشتراكية...)،الذين ينعقون في كل واد بان الدين خرافة وجود وظلامية، ليصبح الكذب والغدر واستغلال الضعيف والاعتداء على الحقوق إلى غيرها من السلوكيات المرذولة التي تصبح في عرف النفعيين سلوكيات عادية بل مقبولة أخلاقيا[16] مقلبين الحقائق إلى أضدادها محولين الحق باطلا والباطل حقا، وبذلك ينتشر الفساد في البلاد بواسطة العباد باستغلال ما توفره وسائل الإعلام لهم من أبواق دعائية.

لكن كان للشيخ النيفر إدراك تام لنوايا هؤلاء فكان لهم بالمرصاد مستخدما الحكمة والبيان في كشف ألاعيبهم وأهدافهم ، وموضحا لسبل الإصلاح التي لا تخرج عن محور العودة إلى كتاب الله الذي يصلح النفوس الفاسدة وييسر الهداية لمن ظل الطريق.

وتطرق أيضا في دروسه إلى جميع الشرور التي تتربص بالإنسان خاصة تلك التي جلبتها ريح الفلسفة المادية وجندت لها جموع المستشرقين الذين قاموا بأدوار كبرى في تغيير عقلية المسلمين بعد خداعهم بموضوعات وأساليب جديدة.[17]

 

أما في المجال الإصلاحي فإننا نسجل جوانب مهمة في التميز وقد قسمنا ذلك إلى قسمين اثنين.

أ‌-   مميزات الخطاب الإصلاحي من جهة المضمون.

1-         التركيز على عنصر الشباب:

   لقد كان التركيز على الشباب لما لهذا الأخير من دور في حمل راية الدعوة الإسلامية، وكان يوجه خطبه لهم أي الشباب علما منه أن الشباب يتفاعل مع كل جديد، وهم أكثر الناس تأثراً، وأسرعهم استجابة، وأشدهم تفاعلاً ولقد رَبى النبي صلى الله عليه وسلم  جيلاً  مؤمناً و ملتزماً بمفاهيم وقيم الإسلام، وكان الغالب في هذا الجيل شريحةِ الشباب. رَباهم على التربية المتوازنة القائمة على الموازنة بين العاطفة والعقل، الروح والجسد، العلم والعمل. وهذا التوازن الدقيق هو المنهج السليم في التربية.

وكان الشيخ رحمه الله يدعو في كل  مناسبة إلى واجب التقرب المبين من الشباب وهم  رجال المستقبل في إطار التوعية  المباركة ، وللتكوين  السديد وبلوغ درجة التأهيل لخدمة العباد والبلاد في إطار المصلحة العليا  للإسلام والمسلمين وعلى أساس من التقوى والتمسك في طريق التنمية الشاملة[18]

ويشهد الدكتور عبد الحليم بوزيد انه كان ينصح الشباب بالابتعاد عن الفتنة كل ما امكن مركزا على العلم والتربية المسجدية في بنا الفرد المسلم.

ولقد تعامل الشيخ برفق مع الشباب، مما زاد من التفافهم حوله،  خاصة في قسنطينة   وهو ينصحهم على الخير العميم لوجهه تعالى ولفائدة الدين الحنيف  وقد شجع مجموعة من القسنطينيين الأفاضل بأنوار من الدين الحنيف لتأسيس جمعية الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي وقد نجح بذلك بفضل الخصائص وطريقة التعامل مع الشباب  التي يتميز بها الشيخ وقد مدح القرآن الكريم تعامل النبي صلى الله عليه وسلم،  مع الناس باللين والرفق، يقول تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)[19] وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم  يحث على الرفق، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم،  قوله: " إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه "[20]

  من خلال تعامل الشيخ الحكيم مع الشباب[21] استطاع أن يربي جيلاً مؤمناً وملتزماً بتعاليم وقيم الإسلام، وكان لهذه الطليعة المؤمنة ـ فيما بعد ـ دور مهم ومؤثر في التبليغ  للإسلام، ونشر مفاهيمه وقيمه ومثله  وهاهي جمعية الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي  بقسنطينة تعيش السنة 46 من عمرها وكل ذلك بفضل ذلك التخطيط الحكيم من الشيخ النيفر رحمه الله .

2-         الاهتمام بالواقع التربوي

لما أدرك الشيخ النيفر ما للتربية من دور ركز اهتمامه عليها وكأنها المهمة الأولى  التي يجب الاعتناء بها . أثناء حديثه عن طريقة الإسلام في التربية كان يركز على مكارم الأخلاق وقضية العمل بها.

لقد أدرك الشيخ النيفر أن التربية الإسلامية تحرص على تفجير منابع الخير عند الإنسان وذلك بكثرة طرق الخير من الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وطلب العلم والإحسان وغير ذلك، بحيث أن كل طاقة موجودة عند الإنسان يجد لها مصرفاً يصرفها فيه، ويشعر أنه يخدم الإسلام من خلال تصريف هذه الطاقة، ولا شك أننا نجد كثيراً من الناس وخاصة الشباب يتمتعون بطاقات كبيرة جداً، بطاقات جسمية، وعقلية وغيرها. فحين لا يوجد من يستثمر هذه الطاقات تجدها تتسرب وتذهب إلى مجالات وجهات ليست محمودة؛ فتضيع مثلاً في الركض وراء الكرة ركضاً مبالغاً فيه، أو تضيع في الركض وراء الشهوات وإشباع الغرائز، أو تضيع وراء قضاء الأوقات مع الشلل والأصدقاء المنحرفين، أو تضيع بأي صورة من الصور، إن لم تجد المصرف الصحيح الذي تصرف فيه وتوجه إليه، لكن الإسلام والتربية الإسلامية الصحيحة أوجدت المجالات التي يمكن استثمار هذه الطاقات من خلالها،

كما أولى الشيخ النيفر اللغة العربية اهتماما منقطع النظير، فقد عرف رحمه الله بشدة حبه للغة العربية، واتضح ذلك في أصالة الخطاب الذي يلقيه، ولما أيقن أن اللغة هي أساس الهوية، وعنصر الانتماء لهذه الأمة، فكانت للشيخ مقترحات فاعلة للنهوض بالتربية والتعليم في المؤسسات التربوية الجزائرية، وارجع أسباب ضعف مستوى التعليم إلى الاضطراب  في تعليم العربية الذي تورثه الجزائريون من الإدارة الفرنسية[22]. وقد كان يرى مثل زميله الذي التقى في مدينة البليدة الشيخ البشير الإبراهيمي أن لغة الأمة هي ترجمان أفكارها وخزانة أسرارها، و أن الأمة الجزائرية ترى في اللغة العربية زيادة على ذلك القدر المشترك، أنها حافظة دينها، ومصححة عقائدها، ومدونة أحكاهما، وأنها صلة بينها وبين ربها[23].

 ولا تعتبر اللغة العربية في رأي الإبراهيمي لغة جامدة غير قادرة على استيعاب ما وصلت إليه مختلف الحضارات، فهو يرى فيها قالبا يتسع لأكثر من ذلك، كيف لا؟ وهي من حوت تاريخ وحضارة الإنسانية يوم كانت اللغات الأخرى في حالة جمود ونسيان، ويؤكد ذلك بقوله:" ...وقد كانت هذه اللغة ترجمانا صادقا لكثير من الحضارات المتعاقبة التي شادها العرب بجزيرتهم، وفي أوضاع هذه اللغة إلى الآن من آثار تلك الحضارات بقايا وعليها من رونقها سمات، وفي هذه اللغة من المزايا التي يعز نظيرها في لغات البشر الاتساع في التعبير عن الوجدانيات، والوجدان أساس الحضارات والعلوم كلها[24]

ولما حاول الفرنسي إحلال البربرية مكان اللغة العربية وذلك تفريقا للأمة الجزائرية وسعيا منه لدس الشقاق بين أبناء الوطن الواحد، دافع الإبراهيمي على ترسيخ عروبة الجزائر ماضيا وحاضرا، في الكثير من المحافل أينما حل، وحيثما ارتحل فيقول:" اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة ولا دخيلة، بل هي في دارها، وبين حماتها ، وأنصارها،وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل... ".[25]

 

الدعوة الى الوحدة

يقدم الدكتور بوزيد شهادته هذه فيشير الى ان اغلب مضامين حلقات الشيخ النيفر لا تخلو من الدعوة الى الوحدة ونبذ الخلافات، وكان يكره السياسة التفريقية التي تقول هذا عربي وهذا امازيغي، وكان يدعو الى إزالة الحدود الاستعمارية من أذهاننا  لان الإسلام جامع للمسلمين ، وفي سبيل السعي للوحدة الإسلامية  كما هي في القران كان يدعو إلى انصهار الأمة في المنطلقات والمشاعر وإلغاء الحواجز المذهبية ويحارب النزعة المذهبية من الأذهان وهي التي كان يوظفها الاستعمار للنيل لتجسيد الفرقة بين أبناء الأمة.

 

مميزات الخطاب من جهة المنهج

يتميز خطاب الشيخ محمد الصالح النيفر بما يلي:

1-                   هو خطاب نصحوي

كان رحمه الله تعالى في تاريخ ما، بنادي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في تقديم محاضرة توجيهية للشباب القسنطيني فقيل له " يا شيخ إن فلانا يدعوكم لفائدة ما، فأجاب الشيخ الكريم، طيب الله مثواه " وصيتي إليكم أن لانخرجوا عن النظام العام ولا عن الإطار الذي أنتم  فيه احذروا، احذروا والله معكم( ولئن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )

وكان رحمه  الله تعالى لايمكن أن يتعدى القانون المعمول به من جهة  ولا الخروج عن الشريعة الإسلامية من جهة أخرى فقيل له آن ذاك :هيا فلندع ولندفع أموال زكاة الفطر إلى فلسطين فأجاب " لا لا ! زكاة الفطر للتيسير على فقراء البلد مباشرة قبل يوم العيد بقليل، لا يمكن إخراجها بعيدا عن أهلها " وإنها لجرأة ملموسة خدمة للدين الحنيف ودفاعا عن فقراء الجماعة التي أسست من اجلها[26]

فالدعوة إلى عقيدة الإسلام وشريعته وقيمه الأخلاقية تأسست على الجدال الحسن والكلمة الطيبة، و الحوار المقنع، وهذا ما يجعل الثقافة الإسلامية عالمية، ليس لأنها عامة فقط بل لأنها لا تلغي الثقافات الأخرى. إنها كما قال احد الكتاب " تلك الثقافة التي تكون في عمقها إنسانية الطابع و الأبعاد، و تأخذ في اعتبارها إن ثمة تعدادا وتبيانا في الثقافات، ونسبية في المفاهيم. ومن ثم فهي تسعى إلى مد جسور التواصل والتفاهم مع الثقافات الأخرى، ولا تسعى إلى إن تكون نقيضا لها أو إلغائها"[27]  اعترافا بواقع الخلاف الموجود على الأرض، والذي أقره القرآن الكريم من خلال قوله تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات. إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون "[28].

 

2-                  خطاب نقدي

مثل ماكان ناقدا لبرامج التعليم الزيتوني ومناهج تدريسه التي يراها غير موافقة لمتطلبات الواقع ولا لتطلعات الشباب التونسي[29] لم يسكت أيضا على الواقع التربوي في الجزائر. ولا على واقع المرأة كما كان، ولم يسكت عن المنكر والفواحش التي انتشرت في المجتمع الإسلامي آنذاك.

 

3-                  خطاب فعال.

لقد كان هم الشيخ النيفر تكوين شباب مسلم راسخ العقيدة غير مسلوب الإرادة 
إن لم تتوفر الإرادة الحقيقية والتي تتجلى مظاهرها من خلال الحركة والفعل لن يكون هناك تغيير ونصر، و واقع الأمة يعكس حجم الإحباط وكثرة الشعارات وقلة الأفعال ، ناهيك عن أبواق الظالمين ومدى تأثر المسلمين بها من خلال قلة الوعي تارة ، وتارة غشاوة البصر والبصيرة بحب الدنيا وحطامها وإيثارها على الآخرة، ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )[30] . فحقيقة النصر تكمن فيالانتصار للعقيدة والمنهج الإسلامي .

 

4-                  خطاب واقعي

المقصود بالواقعية في الخطاب أن العلامة الشيخ النيفر كان ينطلق من الواقع ويخاطب الناس وفق فقه الواقع والدعوة الإصلاحية التي تبناها الشيخ النيفر في الجزائر ترتكز على علم بحال الجزائريين، وآمالهم وآلامهم، وتطلعاتهم نحو صباح جديد، تشرق فيه شمس الحرية عليهم، وكان هذا لب مبدأ جمعية العلماء المسلمين، وفي ذلك يقول الإبراهيمي:"... مبدأ جمعية العلماء يرمي إلى غاية جليلة فالمبدأ هو العلم والغاية هي تحرير الشعب الجزائري، والتحرير في نظرها قسمان: تحرير العقول والأرواح وتحرير الأبدان والأوطان والأول أصل الثاني، فإذا لم تتحرر العقول والأرواح من الأوهام في الدين وفي الدنيا، كان تحرير الأبدان من العبودية، والأوطان من الاحتلال متعذرا أو متعسرا، حتى إذا تم منه شيء اليوم، ضاع غدا لأنّـه بناء على غير أساس، والمتوهم ليس له أمل، فلا يُرجى منه عمل، لذلك بدأت جمعية العلماء من أول يوم نشأتها بتحرير العقول و الأرواح، تمهيدا للتحرير النهائي..."[31].ويشهد الدكتور عبد الحليم بوزيد ان الشيخ النيفر كان يقول لنا "الاستعمار افرغنا من الوعي وملانا بالخرافات"، لذلك كان يوصي  بالتعبد عن وعي.

   وفي حديثه عن واقع المرأة يشير إلى الخط المعوج الذي رسم للمرأة فقتلوا فيها العاطفة والأنوثة وجعلوها كرة تتلقفها الشهوات[32] ووضعت كل مواهبها في سوق المزاد للناكرين والخادعين متسائلا أين هذا مما أعدته لها قوانين الإسلام وأحكامه من عزة وطمأنينة على كامل ادوار حياتها.
ويشهد له الدكتور  عمار طالبي بانه كان يركز كثيرا على تربية البنت المسلمة  نظرا لأهمية المرأة المسلمة  ودورها في المجتمع كما قدم لنا الدكتور طالبي شهادته الخاصة بمنهج الرجل .
 
الخاتمة

في ختام هذه المداخلة لا يسعنا سوى أن نهيب بالجهود التي تبذلها عائلة المرحوم في سبيل إحياء أفكار المرحوم والتذكير بخصاله الكريمة، فضلا عن جمع مقالاته ودروسه المكتوبة والمسموعة. وأخيرا نجدد الترحم على مجدد الصحوة الإسلامية في الجزائر وتونس، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الجنة مع هؤلاء العلماء الأخيار، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.



[1] - سيد قطب- أفراح الروح ، مجموعة نثرية بعثها لأخته حميدة  لما كان في السجن

[2]- شخصية جليلة من أهل العلم بقسنطينة  كان من رفقاء الشيخ وتعلم عنه الكثير من المسائل ، أسس مع الشيخ محمد الصالح النيفر مشروع جمعية الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي بقسنطينة  تحت إشراف المرحوم السيد حميدة باستارزي  ثم تحولت الى  جمعية النور للمحافظة  على القرآن الكريم  قسنطينة .ولا زالت تنشط إلى الآن .                                                                                                                                                                                                                                  

[3] - اروى النيفر – الشيخ محمد الصالح النيفر حياته وأثاره- دار لبنان للطباعة والنشر الطبعة الأولى- ص 95

[4]- اروى النيفر – الشيخ محمد الصالح النيفر حياته وأثاره- دار لبنان للطباعة والنشر الطبعة الأولى- ص 419

[5]- سورة الكهف- الاية 110

[6]- أروى النيفر – الشيخ محمد الصالح النيفر حياته وأثاره- دار لبنان للطباعة والنشر الطبعة الأولى- ص 422

Partager cet article

Repost0
2 septembre 2012 7 02 /09 /septembre /2012 13:43

الجامعة الدولية بتونس

والقسم الثقافي بسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتونس

ينظمان

 ندوة علمية بمناسبة يوم القدس العالمي

 

 

القضية الفلسطينية

في فكر الإمام الخميني

 والشيخ محمد الصالح النيفر

 

 

 

 

عــنـوان المـداخـلـة :

 

العتوّ الغربي في فكر

الإمام الخميني والشيخ محمد الصالح النيفر

مظاهره وطرق مقاومته

 

 

 

 

 

 

د.فتحي القاسمي

أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية

تونس في 29 رمضان 1433 هـ/17 أوت 2012

 

 

مدخـل

 

تقترن لفظة عتوّ التي وردت في القرآن سبع مرات([1]) بالاستكبار وتجاوز الحد كما يؤكد صاحب لسان العرب([2]) وارتبط أيضا سوء المصير بتلكم الآيات، فالذين عتوا واستكبروا وتجبروا في أمورهم "أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون" وارتباط العتو بالاستكبار واللجاجة دليل هشاشته وبطلانه وهو ما يكفي لنفور النفوس منه كما في قوله تعالى: "بل لجوا عتو ونفور" وقد أغرانا باتخاذ هذا العنوان للمداخلة تردّد هذه اللفظة في حديث الشيخ الزيتوني محمد الصالح النيفر (1902-1992 ) عن الغرب كما أننا وجدنا مرادفات لها في خطب الإمام الخميني ومقالاته من قبيل الوصاية على الشعوب ونير سلطة الدولة الكبرى....

إنّ تناولهما للعتو الغربي تناولا نقديا حادّا وحانقا أملته المكائد التي تعرض لها المسلمون عبر التاريخ وخصوصا في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين ولا خفاء أن حرب الخليج الأولى والثانية والثالثة والحرب في أفغانستان وانصباب ظاهرة الحرب ضد "الإرهاب" على العالم الإسلامي وتنامي الحملات المشهّرة بالإسلام والمسلمين وتعاظم الاسلاموفوبيا، من أهم الأسباب التي تدفع المسلمين إلى تنبيه العالم إلى الوجه الآخر للغرب الملوّح بالديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان.               

 

I- القسم الأول: العتو الغربي في فكر الإمام الخميني :

توطئة :

كان الإمام الخميني شديد الوعي والمواكبة لأشكال كثيرة من العتو والاستكبار التي كانت تمارس من جهة في إيران زمن الشّاه وكان نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل متفاقما وقد طال كل القطاعات، وأخرى مستشرية في العالم وتُجسمها العولمة الثقافيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وكان سلطانها على الشّعوب والأفراد شديدا من جهة أخرى وفي خضمّ هذا الازدحام بين الأضداد سعى الإمام الخميني إلى تقديم حلول بديلة عساها تنقذ الإنسانيّة ممّا تردّت فيه فامتزج لديه النضال السياسي والديني من أجل الإطاحة بالنظام الشّاهي المستبدّ، بالحضّ على تقديم المشروع الإسلامي نقيضا للرأسمالية المتهافتة الجشعة والشيوعية الحادة المتصدعة الأركان ووجد في البديل الإسلامي قارب نجاة للإنسانيّة، يقيها من ويلات ربوبيّة السّوق (Monothéisme du marché) كما يقول روجيه قارودي (Roger Garaudy) ولذلك رصدنا كثيرا من مواقفه على امتداد أكثر من عشرين سنة. إنها تكشف لنا عن مظاهر العتو الغربي وقد سعى جاهدا إلى مقاومة ذاك العتو وقدم البدائل شأنه في ذلك شأن الشّيخ الزيتوني الثائر الشيخ محمد الصالح النّيفر الذي سيرد ذكره في القسم الثاني من هذه المداخلة :

1- مظاهر العتو الغربي في فكر الإمام الخميني :

أ- إنّه مصدر كل مصائب المسلمين :

ما انفكّ الإمام الخميني ينصّص في خطبه ورسائله وأحاديثه الصحفية وكتبه على ضخامة المصائب التي حلّت بالمسلمين من جرّاء تألّب الأعداء عليهم لإخماد أصواتهم ونهب ثرواتهم وعرقلة يقظتهم وكان الشّعب الإيراني في عهد الشاه خصوصا قد لحقه من ذلك ضَيْمٌ لا حدّ له بل إن "جميع مصائب شعب إيران وبقية الشعوب الإسلامية إنما مصدرها الأجانب المستعمرون وخاصة الأمريكان وأن شقاء الدول الإسلامية إنما هو بسبب تدّخل الأجانب في مقدراتها وشؤونها وأن الأجانب هم الذين ينهبون ثرواتها الطبيعية الهائلة"([3]).

ولا يعني ذلك أن السبب الأوحد لهذا التجنّي موقوف على الغرب وإنما استطاع الغرب توظيف عملائه وأبواقه لتمرير أهدافه الظاهرة والباطنة، فقد استعان المستعمرون "بعملاء لهم في بلادنا من أجل تنفيذ مآربهم الاقتصادية الجائرة فنتج عن ذلك أن يوجد مئات الملايين من الناس جياعا يفتقدون أبسط الوسائل الصحية والتعليمية وفي مقابلهم أفراد ذوو ثراء فاحش وفساد عريض"([4]).

ولا تقتصر الإدانة على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإنما تطال الصين والاتحاد السوفياتي وكذلك بريطانيا ويعتبر الإمام الخميني التصدّي لهؤلاء جميعا وإحباط ما يخططونه، ضرورة لابدّ من الوعي بها وقد باح بذلك للزعيم الراحل ياسر عرفات في رسالة بعث له بها سنة 1979  ومما ورد فيها "أن الصين الحمراء ذات الشعارات الثورية وأمريكا النموذج العالمي لاستغلال الشعوب والسوفيات منبع الدّجل والكذب وبريطانيا العريقة في استعمار الشعوب، يتكاتفون مجتمعين على قمع أمّة ناهضة تسعى لاستقلالها وعدم انحيازها للشرق أو الغرب"([5]).

وقد تدعّم دور الغرب في اتجاه عيثي مخاتل جنّد له العاملين بوفاء، للكيد للإسلام والمسلمين ففي هذا العصر "بثّ الاستعمار أذنابه في أرجاء العالم الإسلامي ليعملوا تحت شعارات برّاقة وأحيانا تحت شعار الإسلام نفسه من أجل إبعاد تعاليم القرآن وثقافته عن الواقع العملي "([6])، ولا خفاء أن تلك الحملات كان لها دور جبّار في التآمر على هويّة الشعوب الإسلامية وفي ظهور أنماط من الاستلاب الثقافي والفكري ولذلك ظلّ الإمام الخميني مراهنا على الهويّة والذاتيّة الإسلاميّة حاثّا على الاستمساك بهذه العروى الوثقى اتّقاء التلاشي وضياع الشخصية.

ب-  الدعوة إلى فصل الدّين عن الدولة وألْيَكَة السلطة :

لاحظ الإمام الخميني أن الدعوة الصادرة من الغرب لفصل الدين عن الدولة هدفها عزل الإسلام عن الحياة العملية للناس وأنه قاصر عن إدراك ذلك، ونعت الإمام الخميني هذه الدعوة بأنها "الفاجعة العظمى"([7]) ولا يخفى أن نجاح هذا الشعار في الغرب وتراجع دور الكنيسة التي كانت أولى ضحاياه قد أغرى كثيرا من دعاة العلمنة([8]) والأليكة([9]) والوضعنة([10]) ومن اتبعهم من أهل الشرق بسحبه على الشريعة الإسلامية.

لقد نُكب العالم الإسلامي عبر العصور بفئتين من المسلمين كان لهما الدور المدمر للإسلام والمسلمين فالفئة الأولى أساءت استخدام الدين فـ" ضللت المؤمنين به"([11]) ولاشك أن ما قام به المشككون ممن أساؤوا استخدام الدين متشابه بصرف النظر عن الزمان والمكان ولكن فكرة التضليل والتلبيس تظل مقصدا قائما، وأما الفئة الثانية فإنها "أتقنت استغلاله"([12]) ويستوي في ذلك الحكام المستبدون الذين اتخذوا الدين مطية لإضفاء الشرعية على حكمهم ووظفوا فقيه السلطان لحبك النصوص المُسوّغة لذلك ويشهد التاريخ الإسلامي القديم والحديث ببراعة هؤلاء الاستغلاليين في التضليل والتبرير وهو ما شجع الغرب على توظيفهم وحثه على الإمعان في معاداة الإسلام واستصغار المسلمين.

ج- النهب الاقتصادي : نهب مقنن وشامل :

اتخذ الإمام الخميني من بلده إيران أنموذجا لبيان بشاعة العتو الغربي وبيان تغلغله في الاقتصاد الإيراني وقد تحالف الأمريكان واليهود للمسك بأزمّة الاقتصاد فصار الاقتصاد الإيراني زمن الشّاه " في قبضة الأمريكان والإسرائيليين"([13]) لقد كان هذا الاستضعاف لشعب بأسره عاملا رئيسيا في نجاح الثورة في إيران وأحكم الإمام الخميني تحليله لهذا النهم الاقتصادي الذي خلّف ثورة عارمة ضد الشاه والمتعامل معهم من دول وشركات اقتصادية ضخمة ولاشك أن رفع الإمام الخميني لشعار "ثورة المستضعفين لا يقودها إلا المستضعفون" كان نقلة نوعية في المدّ الثوري الإيراني الذي قوّض منظومة الاستغلال الهشّة لثروات الشّعب الإيراني وقد استطاع الإمام الخميني أن يراهن على إسلامية شعبه وصدقه "وإخلاصه لدينه الذي لم يأت عبر انقلاب أسود كما يحصل في الكثير من الأمم والشعوب ولا عبر ثورة بيضاء... وإنما جاء عبر تضحيات عزيزة وغالية وعبر أنهار من دماء زكية أريقت على منحى هذا الدين العظيم سعيا لتطبيقه على وجه الأرض"([14]).

د- توظيف المنظمات الدولية :

أدان الإمام الخميني أهم المنظمات الدولية وجردها من مصداقيتها واعتبرها منحازة لإسرائيل بدعم من الدول الكبرى ولاحظ أن حق الفيتو ظل سيفا مسلولا توظفه الولايات المتحدة لمواجهة كل إدانة أو انتقاد يثير حفيظتها، وهذا الدور السلبي وجه من وجوه الصلف السياسي المتنافي مع مبدإ المساواة إنه حريص على إزالة الوهم الذي تكرسه وسائل الإعلام الرسمية حول دور تلك المنظمات كاشفا قصورها وتحولها أداة في أيدي الظالمين "ولا يظن أحد أن المنظمات الدولية المشكلة كالجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة حقوق الإنسان وما شاكلهما قد خطت خطوة واحدة لصالح الشعوب ولا تظنوا أنه لإدانة هذه المنظمات أي تأثير في وقف الجرائم والخيانات الإسرائيلية أو الحد منها"([15]).

هـ- زرع الكيان الصّهيوني في قلب الوطن العربي :

يتحدى الإمام الخميني الكيان الإسرائيلي الهش بتعريته وبيان تحالفه من أجل مزيد من النهب لأراضي الشعوب وثرواتها وقد أدان الصهيونية في جلّ ما كتب وفي ما صدر عنه من مواقف وشهّر بالصهيونية " التي تحكم العالم غصبا وعدوانا والتي اتخذت من الحروب والاعتداءات وسيلة للوصول إلى أهدافها وتعتبر مسؤولة عن الجرائم اليومية التي تقع في المنطقة الإسلامية"([16]) وقد نبه الإمام الخميني إلى تورط إسرائيل في النهب المقنن والشامل لا لثروات الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة وإنما في جميع أنحاء العالم وخصوصا العالم الإسلامي وقد اعتبر إسرائيل "جرثومة فساد" و"دويلة فاسدة وغاصبة" و"غدة سرطانية"([17]) يتحتم استئصالها لإراحة الجسد العربي منها، ويحمل الغرب مسؤولية زرع ذاك الكيان في الجسد العربي ، فكانت فعلته كما قال الإمام الخميني " ذنبا عظيما"([18]) سبب آلاما جساما.

 

2- كيفية مواجهة العتو الغربي في فكر الإمام الخميني :

أ- إحداث يوم القدس في آخر جمعة من كل رمضان : توصية الإمام التي تبنتها منظمة التعاون الإسلامي :

ظلت القضية الفلسطينية محورية في خطابات الإمام الخميني وحافظت الثورة الإيرانية إلى يوم الناس هذا على هذا المكسب وقد كثف الإمام من الإجراءات الداعمة لمنظمة التحرير الفلسطينية وكانت له مراسلات مع الراحل ياسر عرفات واقترح على كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يتحدوا من أجل فلسطين وورد في الخطاب الذي ألقاه احتفاء بيوم القدس الذي انطلق يوم 09/08/1979، أن " يوم القدس يوم يجب فيه أن يستعد المستضعفون لمواجهة المستكبرين"([19]). وكان الهدف من هذه الحماسة الحازمة تفعيل القضية الفلسطينية وتبنيها من قبل مليار ونصف من المسلمين وسترهب العدو، ومن اللافت للنظر أن يوم القدس يكتسي صبغة كونية لا من منطلق تدويل الاهتمام بالقضية الفلسطينية فقط والتجنّد للدفاع عن الأرض السليبة وإنما أراد الإمام الخميني من يوم القدس فرصة لثورة المستضعفين والمضطهدين على جلاديهم ومبتزي حقوقهم ولهذا السبب وجه الإمام الخميني منذ السنة الأولى ليوم القدس (1979) نداء يطلب فيه من القوى الكبرى " في يوم القدس أن ترفع أيديها عن المستضعفين وتلزم مكانها"([20]).

لقد أراد الإمام الخميني من يوم القدس بناء سدّ منيع يوقف به العيث الغربي والعبث الصهيوني ودعا إلى تكثيف المسيرات وإقامة المجالس في أنحاء العالم الإسلامي والمظاهرات في موسم الحج والحفلات والتجمع في المساجد وكان ذلك كله في إطار تجاوز إرادة العجز التي بُليَ بها المسلمون والمجاهرة بالرفض وكل ذلك موجه " ضد الاستكبار العالمي وإسرائيل بالخصوص"([21]) ولاشك أن تأجج الاحتفال بيوم القدس في جميع المدن الإسلامية سيساهم في محاصرة المغتصبين وربما تراجع خوف المسلمين من مواجهة من اعتبروها قوى ضخمة تعسر زحزحتها ولذلك ثار الخميني على هذا السلوك المتخاذل ودعا المسلمين إلى أن يخرجوا من رؤوسهم "ما يُقال من أنه لا يمكن مواجهة الدول الكبرى"([22]) وخاطب المسلمين بقوله " صمّموا على ذلك تقدروا لأنّ الله يدعّمكم ويحميكم"([23]).

ب- المقاومة الشاملة ضد أهداف شاملة :

دعا الإمام الخميني كافة المسلمين والشعوب المضطهدة إلى الثورة العارمة حتى يكون مصيرها مثل مصير الشعب الإيراني الذي أعلن ثورته ضد الاستبداد وسلب الحريات والذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من العرب والمسلمين "إننا لا يمكننا فصل أنفسنا عن سائر المسلمين فكل ما قدمناه من شهداء ومعوقين ومشردين كان من أجل الإسلام ونحن لا نعتقد مصير الشعب العربي ومصائر الشعوب الأخرى منفصلة عن مصيرنا وقدراتنا"، ومما يدفع الإمام الخميني إلى الدعوة إلى الثورة عدم استجابة الأنظمة الرسمية في العالمين العربي والإسلامي لنداءاته المتكررة قبل الثورة الإيرانية وبعدها، فهو يخاطب تلك الحكومات من منطلق العالم النصوح قائلا " فيا أيتها الحكومات أخرجي من مخيلتك فكرة الاستئثار بالسلطة وفكري بصالح شعوبك"([24]) وسرعان ما ينفض يديه من تلك الحكومات المهيمنة على السلطة والثروة والمتصارعة فيما بينها والواقعة في فخاخ نصبها لها المستعمرون ترتبط بالحدود والاقتصاد والسياسة والاجتماع، والممارسة لشتى أشكال القهر والنهب للثروات الإسلامية الطائلة ولذلك فما دامت "مشكلة المسلمين قائمة في حكوماتهم المتسلطة عليهم وفي الاختلافات الحادة بين رؤسائها وأنظمتها"([25]) ومادامت تعاني اليوم كما يقول الإمام الخميني "من منافقين أكثر جرما من أهل النهروان (...) ويضربون الإسلام باسم الإسلام ويساومون أعداء الإسلام باسم الإسلام وفي الحقيقة ينهبون أموال الشعوب المظلومة المحرومة ويضطهدون أحرار الشعوب"([26]) ما دام كل ذلك يحدث على مرأى ومسمع مئات الملايين من أبناء الأغلبية الإسلامية الصامتة، لزمت الثورة الشعبية أولا على مستغليها للنجاة من "مخالب هؤلاء الحكام"([27]) ووجبت المقاومة الشاملة العارمة للعتو الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لأن "مطامع أمريكا لا تقتصر على دولة واحدة أو دولتين بل إنها تريد إخضاع العالم كله لسيطرتها واليوم نعتقد أنه، يجب على المسلمين أن يتحدوا ويقفوا في وجه أمريكا وليعلموا أنهم قادرون على ذلك حيث أنهم يمتلكون القدرة على هذا الأمر والإمكانيات الموجودة عندهم كثيرة ويكفي أن شريان الحياة لأمريكا والغرب متعلق بنفط هذه المنطقة"([28]).

ومن دواعي نجاح هذه الجبهة تعلقها بالقرآن الكريم لأن له قدرة تعبوية لا حد لها وفيه دعوات صارمة لمقاومة المستكبرين ودفع المستضعفين في الأرض لإعلان ثورتهم على جلاديهم ويوسع الإمام الخميني نطاق هذه الدعوة لتشمل كل الساخطين والمحرومين في العالم لأنه لو التزم المسلمون جميعهم بالإسلام وسواء كانوا تركا أم عربا أم عجما وسواء كانوا إفريقيين أم أمريكيين أو من أي مكان كانوا فإنهم قادرون على قلب الموازين وتحقيق النصر المبين.

ج- تجنيد العلماء باعتبارهم ضمير الأمة :

يراهن الإمام الخميني في ثورته الخرساء (Guerre Sourde) ضد المستأثرين بالثروة والقرار، على العلماء الذين يمتلكون ناصية الحقيقة بعيدا عن تلاعب السياسيين ومخاتلتهم فهؤلاء العلماء المؤتمنون على شعوبهم والرافضون أن ينخرطوا في دوامة الاستبداد أو أن يتخصصوا في لعب دور الشيطان الأخرس في حضرة "الشيطان الأكبر"، إنهم قوة في التغيير وقلب الموازين ومواجهة العيث والعبث، لها في فكر الإمام الخميني كل ضمانات النجاح والرجحان لأن "الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون سدّا منيعا في وجه الأجانب والاستعمار ويمنعهم من سلب ذخائر الأمم الإسلامية هو الإسلام وعلماء الإسلام الأجلاء"، لقد حمّل الخميني علماء الإسلام شجب الظلم والتعسف وتعرية كل تحالف مع أعداء الإسلام وسيادة الأقطار الإسلامية، والتشهير بالعملاء المحليين لإسرائيل وانتهى إلى إعلان الاحتجاج الشديد على "عمليات الإعدام والقتل والإبعاد الجماعية وشجب المحاكمات الصورية وأحكامها الجائرة وشرح أوضاع البلاد والحالة المعيشية التي تعاني منها الجماهير الفقيرة الأمرين وغير ذلك من مبادرات تمس حياة الناس ومصيرهم، إن هذه كلها هي في صلب واجبات علماء الدين"([29]).

 ولكن إلى أي حدّ كان علماء المسلمين –خصوصا علماء الشريعة- أوفياء للأمة، كبارا في عيون الحكام الذين استقطبوا الكثير منهم لينخرطوا في دوامة الولاء والتسويغ والتبرير !!!

لقد كرس الإمام الخميني حياته لخدمة العالم الإسلامي واعتبر الثورة الشعبية العارمة أفضل سبيل لتستردّ الشعوب سلطتها ورأى أن لا خلاص من الكرب العظيم إلا بالاستعداد بالقوة لمواجهة إرهاب عنيد مستندا في ذلك إلى قوله تعالى : ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وقد التزم بما قاله وأُشْرِبتْ قلوبُ الإيرانيين الذين أعلنوها ثورة عارمة حُبّ تلك المبادئ، ولذلك ولدت الثورة الإيرانية كما لاحظ روجيه غارودي الخوف والكراهية في الغرب (la peur et la haine) لأنها أربكته ولم تكرس العنف الثوري وإنما وظفت القوة الدينية السلمية لمواجهة القوة العسكرية والمادية واحتمت برموزها فكانت تحديا صارخا لأعتى القوى في العالم وهازمة لخامس قوة عسكرية في العالم (النظام الشاهشاهي) وكان تجاوب الشعب مع قائده وانخراطه في المسار الثوري الخلاق سبيلا إلى نجاح الثورة الإيرانية التي مرت عليها أكثر من ثلاثة عقود ولم تفلح كل محاولات التثبيط والتآمر في إفشالها أو الإطاحة بها حتى يوم الناس هذا.

 

 

II- القسم الثاني : العتو الغربي في فكر الشيخ

                                          محمد الصالح النيفر :

يعتبر الشيخ الزيتوني محمد الصالح النيفر أحد أهم مؤسسي الحركة الإسلامية التونسية الحديثة والحاضن في بيته لعشرات الطلائع الشبابية الإسلامية التي تعلمت منه شعائر الدين ومكارم الأخلاق وشحنها لتجاهر بالدفاع عن الحق وعدم الخوف من المستبدين والجلادين وقد ظل حتى وفاته مناضلا بالقلم والعمل لا يخشى في الله لومة لائم، يندد بكل أشكال الاستفراد بالرأي ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة الموعظة الحسنة ويسخر كامل وقته لخدمة الإسلام وقضاياه لقد كانت له الجرأة المتجددة المتجذرة لتنبيه الغافلين من أبناء تونس والمسلمين إلى حقيقة المخططات الاستعمارية وتاريخ جرائمها وعدد مظاهر التهور الغربي واستهدافه لأراضي المسلمين وعقولهم وإمعانه في استنزاف خيرات الشعوب الإسلامية ولم يكتف الشيخ النيفر بالإدانة وكشف مظاهر التلبيس والتفليس وإنما سعى إلى الرد وبيان كيفية مقاومة العتو الغربي الذي يلاحق المسلمين في عقر دارهم منذ عقود كثيرة ولم يتوفقوا إلى يوم الناس هذا لإيقاف اعتداءاته وجرائمه في حق المسلمين الذين تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى.

1-مظاهر العتو الغربي في العالم الإسلامي :

أ- المراهنة على التبشير والتعليم :

كان الشيخ النيفر الذي واكب الاستعمار الفرنسي عن كثب في تونس متفطنا لما كان يقوم به المبشرون الفرنسيون خصوصا من نشاط منقطع النظير منذ القرن التاسع عشر من أجل تنصير أبناء المسلمين وتهيئة الأرضية الملائمة لانتصاب الحماية في تونس وقد اضطلع بهذا الدور بامتياز الأب فرانسوا بورقاد (François Bourgade)  والكاردينال لافيجري (Cardinal Lavigerie) الذي تنازل للاكئيين عن معهد سان لوي (كارنو لاحقا) مقابل مال وفير لبناء كنيسة تونس (Cathédrale de Tunis) المتربعة في مستهل شارع الحبيب بورقيبة، قبالة بناية الإقامة العامة الفرنسية بتونس؟ وواصل "الآباء البيض" الذين أطرهم لافيجري وجعل لهم تنظيما لنشاطهم بحرية في تونس إمعانا في التنصير وقد تصدى جيل محمد الصالح النيفر للأبوين المبشرين سلاّم وفوكا وندد بالمؤتمر الافخارستي (1930) المنعقد بتونس، وقد كان الشيخ محمد الصالح النيفر مترصدا لنشاط مركز تبشير البروتسانت في بداية نهج الجزيرة بعد قوس باب بحر([30]). ومن مآثر الشيخ النيفر في مقاومة التبشير "دار الرضيع" التي وقى بها كثيرا من الأطفال التونسيين الذين لا سند لهم من الوقوع في أيدي المبشرين، ولذلك بيّن أن من أهم مخططات الاستعمار ما يقوم على أسلحة متنوعة وأقواها "التبشير والتعليم "([31]) وتلازم التبشير مع التعليم أملاه حرص المبشرين على تكييف من يعلمونهم بما يتماشى مع تحالف الكنيسة والاستعمار رغم صراعهما في الغرب، فالمتعلمون يعلَّمون تعاليم كاثوليكية تمهيدا لتعميدهم ثم تنصيرهم ثم يلقنونهم تعليما يخدم الأغراض الاستعمارية  التوسعية.

ولذلك يعتبر الشيخ النيفر أن هذين الرافدين كفيلان بفسخ هوية الأجيال تمهيدا لإفساد الشعوب من أجل تفكيك الأمة الإسلامية حتى يسهل على الغرب احتواؤها إلى جانب التشكيك في دينها والسعي لإبعادها عن ممارسة فروض الإسلام"([32]).

ب- تجنيد المستشرقين وإتباعهم لمحاربة الإسلام                      

أكد الشيخ النيفر أن هذا الحرص يمتد أكثر من سبعة قرون وبين العيث الذي مارسه الأوروبيون لتمزيق أوصال المسلمين ولاحظ أن ما يثير حفيظتهم بقاء الإسلام في الكثير من الأقطار التي كانت بالأمس مسيحية تحت هيمنة القيصر فالإسلام على امتداد تلك القرون السبعة "يحاربه أعداؤه حربا لا هوادة فيها ولا ونى" وقد استولى الأغيار على ربوعه وعقدوا المؤتمرات  والمؤتمرات لاقتسام تلك الربوع حتى جاءت أزمان لم تبق فيها أمة مسلمة تمتلك سلطة في بلادها ومع ذلك كله فالإسلام باق في الأمم المتنوعة والأجناس المختلفة التي اعتنقته"([33]).

وكان جم من المستشرفين أداة طيّعة في أيدي الاستعماريين ينفذون مخططاتهم ولكن الشيخ النيفر يستند في كثير من المواضع بمن يراهم منصفين عقلاء من المستشرقين الذين كان دفاعهم  عن الحقيقة غالبا على أمرهم فأقروا حقائق عن الإسلام ودوره في الغرب وفضله عليه يتعمّد التكتم عنها المتعصّبون منهم، وقد ضرب الشيخ النيفر مثلا بليغا وغريبا في الآان نفسه ويتجلى ذلك مواكبته سنة 1931 لمؤتمر اللغة العربية([34]) الذي أشرف عليه المستعرب الفرنسي ولليام مارسي (William Marçais) مدير معهد اللغة العربية والترجمة بالعطارين (بمقر دار الكتب الوطنية سابقا) وكان مارسي رئيس المؤتمر "يعمل على تعويض اللغة العربية باللغة العامية لغة البلاد الرسمية وقد أشاد الشيخ النيفر بمحاضرة للشيخ الحنفي أحمد بيرم الذي فاجأ بها الجميع وأبهرت التونسيين وكان عنوانها "حياة اللغة العربية" وقد فنّد وجهة نظر مارسي ودحض حججه مما اضطرب له المستشرقون الحاضرون وأعوانهم وكانت تلك الخطبة التي اهتز لها الشعب التونسي وساندها مزلزلة لأركان المؤتمر وقاضية على غايته"([35]).

وليس غريبا أن يكون لهؤلاء تلامذة أوفياء ومنهم من أمعن في خدمة تلك المساعي على حساب الهوية والوطنية.

لقد أطلق الشيخ العنان للتعبير والنعوت النابية نكالا في هذا الرهط من الأتباع المدافعين وهم أكثر خطورة من المستشرقين أنفسهم وقد اعتبرهم الشيخ النيفر "متهالكين على أعتاب الغرب المنهارة، استحدثوا ألفاظا تملقوا فيها حضارة الغرب ولم يوفقوا حتى في تملقهم هذا ".

ج- اعتماد الحرب النفسية:

لاحظ الشيخ النيفر أن من دهاء الغرب ألاّ يشن هذه الحرب النفسية القائمة على ترسيخ إرادة العجز انطلاقا من نفسه وإنما يفعل ذلك بالوكالة وذلك باصطناع أدوات طيعة ويكون تمرير ذلك على ألسنة " أفراد منتسبين إلى الإسلام ليسهل قبوله وذلك بأن يقولوا إن الإسلام قوي في روحه ومرماه ولكن قد انتهى دوره العملي في الأحكام والقوانين".

فهذه الحرب النفسية متعددة الأغراض وبناء على ما سلف فإنها تولّد إحساسا بالقصور التشريعي ليفتح الباب أمام تشريع بديل وهو التشريع الوضعي، كما أنها تسعى إلى تسريب إحساس بالميل إلى الآخر المتفوق ولذلك سهل تحويل العالم الإسلامي المرتبك "سوقا للاستهلاك لا للإنتاج" ([36])  وذلك بالتشجيع على الترف والاقتراض واستعمال "الكميبيالات" كما يقول الشيخ النفير وهي من أهم المكبلات لشعوب تعاني من الديون الثقيلة نتيجة اللهفة على الاستهلاك معاناة حكوماتها من القروض الأجنبية المتفاقمة فوائدها مع عجز دائم في الميزانيات وسخاء لا حد له في الإنفاق على الأمن وحماية أولي الأمر.

وقد لاحظ الشيخ النيفر أن هذا الاختراق أكتسح العالم الإسلامي أمام ما يعانيه المسلمون من فراغ أخلاقي وبذلك تمكنت الحضارة الغربية من الدخول كامل المجتمعات وحتى البيوت والمخادع"([37]) لقد نجح الغرب في ذلك بتوظيفه المكثف للدعاية بواسطة كبريات الصحف ووسائل الإعلام تنضاف إليها الوسائل الرقمية.

د- فتح باب الاجتهاد العصري :

اعتبر الشيخ النيفر أن دعوة الغرب إلى فتح باب الاجتهاد العصري يهدف إلى اختراق القرآن بعنوان "حرية التفكير والتعبير" ويعتبر هذه الدعوة مقدمة لمشروع غربي يهدف إلى زرع الفتنة وتكريس فكرة الإتباع والاجتهاد في تنفيذ ما يروق للغرب ونجد هذه الفكرة واضحة المعالم في المقامة الاجتهادية التهكمية على الطريقة الهمذانية وقد نشرها الشيخ النيفر في مجلة العالم([38]) ومفادها أن جبارا "من حكومات الدنيا الجديدة الذين ضاقت بأطماعهم بلادهم البعيد عمل لاستعمار الأرضي في الطول والعرض بحثا عن الدمى المطواعة من بين العباد وقد كان قومه من الأغراب(الغرب) يمتصون من دماء المسلمين وخيراتهم والأقوام يرزحون في مذلتهم وسباتهم"([39]). 

ويجري هذا الجبار حوار مع ابن الشاطئ المهمل المحتار لتتكشف ملامح الاجتهاد الغربي من أجل مزيد من العتو والاستغلال مركزا اجتهاده على مقاومة مصدر القوة في الإسلام وذلك من خلال قوله "إن هذا المارد (الإسلام) مكين القوى لا يهدّ ركنه إلا إذ جُرد من المحتوى فينحل سنده الداخلي الجبار ويبقى دون سور ولا جدار".   

لقد بين الشيخ النيفر أن الدافع إلى هذا الاختراق من جهة والإقصاء من جهة أخرى جعل المسلمين بلا وزن ولا قوة وحال دون تطبيق الشريعة الإسلامية خصوصا أنها كما قال الشيخ "جامعة لشرائع الله وخاتمتها"([40]).

 

 

 

هـ- زرع الكيان الصهيوني في الجسد العربي الإسلامي :

 لم يحرر الشيخ محمد الصالح النفير في الصهيونية أو القضية الفلسطينية كتبا أو رسائل مطولة ولكن ما قاله حول فلسطين والصهيونية في إطار حديثه عن هيئة الأمم المتحدة ينضح تنديدا وتعرية لتحالف الغرب مع الصهاينة وتورطه في المظلمة الكبرى التي لا يزال يعاني منها الفلسطينيون.

 أكد الشيخ النيفر تآمر الغرب  لا على عشرات الشعوب واحتلالها واستنزاف ثرواتها بل على الإنسانية قاطبة من خلال الهيمنة على عصبة الأمم المتحدة ثم هيئة الأمم المتحدة واتخاذها مطية لتحقيق أغراض سياسية تقوم على الهيمنة والاستكبار: هذا الاحتواء يتضارب مع أدنى حقوق الشعوب والأفراد.

لقد اعتبر الشيخ النيفر الصهيونية أو الكيان الصهيوني مدللا في المنتظم الأممي: ولاحظ أن هذا الجسم الغريب الذي تم زرعه وسط الجسد العربي يتمتع بأبشع الصفات المنفرة :

·       فهو صهيوني النزعة

·       شرس الأخلاق                          جمع صفات الشراسة

·       عدواني الطباع                      والوحشية والعدوانية والشهوانية

·       نهم الشهوات   

        وأمن في التشهير به قائلا" دللوه فتراه يصخب ويزمجر ويهزأ بقرارات هذه الجمعية التي أوجدته من عدم وأمدته ولا تزال بكل ما يحتاجه في عدوانه"([41]).

تجدر الإشارة إلى تهجم الشيخ النيفر على بعض الدول العربية التي ترفّع عن ذكرها،  وهي التي تتجاهل ما فعله معها الصهاينة و"حاربها في عقر دارها وافتك من أراضيها، أخذت تبادله وتسعى إلى مرضاة هذا الكيان المدلل وتدعو له واحدة تلو الأخرى"([42]).

لا يكتفي الشيخ بالمجاهرة بعدم اعترافه بالكيان الصهيوني والتهكم من الدول العربية التي "تبادله الود" وإنما يحضّ تلك الدول بل يطالبها من منطلق العزة الإسلامية والدفاع عن الكرامة العربية([43]) إلى "طرد هذا العضو الفاسد وبتره من الأمم المتحدة".

لقد ناديت لو أسمعت يحيا            ولكن لا حياة لمن تنادي

ومن اللافت للنظر أن الشيخ النيفر يتمادى في إدانة المنتظم الأممي إدانة لاذعة وذلك من خلال نص يبدو أنه شارك به في أصفهان بإيران أو اكتفى بإرساله إلى محمود مكي زاد رئيس إدارة العلاقات العلمية والدولية بجامعة أصفهان وهو في الثمانين من عمره وهذا الخطاب موجه للشباب المسلم " ليتبين مسالك الهدى"([44]).

كان ابن الثمانين ثائرا غير هياب من سطوة الغرب، ثورةَ الشباب الإيراني، وقد نعت هيئة الأمم المتحدة متهكما بأنها "عصبة السوء" واعتبر "عصبة الأمم المتحدة" ثم هيئة الأمم المتحدة آلتين اصطنعهما العتوّ الغربي لممارسة الإجرام القاضي على الاعتداء على الشعوب المستضعفة، تلك التي " سُلبت منها حريتها وأموالها وأراضيها"([45]) ولا يخفى استحضار الشيخ للأراضي الفلسطينية المحتلة ولذلك طالب تلك الهيئة الدولية المتخاذلة بتنفيذ القوانين المطالبة صنيعتهم إسرائيل " بالخروج من الأراضي التي افتكها واقتطعها من البلاد العربية الإسرائيليون عن إذن وعون وتشجيع من تلك الأمم الباغية"([46]).

ولا خفاء أن  زيارته إلى طهران للمشاركة في احتفال الإيرانيين بالذكرى الثالثة لنجاح الثورة الإسلامية الإيرانية وتحديه لعتو أمريكا والغرب وتنديده مثلما أسلفنا بالمنتظم الأممي راعى مصالح إسرائيل ومهين العرب وعديد الشعوب واستجابته لدعوة إيرانية للحضور في احتفالات السنة الرابعة للثورة الإيرانية، كل ذلك كان كفيلا بحرمانه من السفر وافتكاك جواز سفره الذي لم يتسلمه حتى وفاته، أليس ذلك غيض من فيض العتو الغربي الذي رافقه عتو داخلي عانى منه الشيخ في تونس دون أن تلين له قناة أو ينتابه نكوص السفهاء وإن بلغ من العمر عُتيا...

2- طــــــــــرق مـــــــقــــاومــــتــــهـــــا :

أ- بتر  يد اللصوصيّة الكبرى :

اعتبر الشيخ محمد الصالح النيفر أن الغرب أمعن على امتداد عقود كثيرة في استنزاف ثروات المسلمين وتعطيل ساعة خلاصهم واتهم قلب الغرب بالعتو وبمرض يعسر الشفاء منه وهو "الشره والشرّ"([47]) ورافقت ذلك غشاوة من المكر والخديعة غشّت بصره ولذلك دعا الشيخ النفير إلى بتر كل يد تروم العبث بثروات المسلمين واجتهد في تأويل قوله تعالى ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا([48]) فتجاوز حكم الآية المألوف وحمّله معنى تأويليا رمزيا يحمل في طياته صرامة الرد والحزم في مواجهة العائثين في ثروات الشعوب فسادا وقد أدان إدانة شديدة تلك الشهوانية المفرطة وتحسر على الذين يتبعون تلك الأيدي العابثة إتباعا ذليلا وغير واع  وأضاف أن هؤلاء المستكبرين الطغاة لو دخلوا "جحر ضب لدخله المستضعفون تبعا لهم وتقليدا"([49]).

ب-  المراهنة على القوة الربانية :

ينطلق الشيخ محمد الصالح النيفر من إيمانه العميق بالمعاضدة الربانية ومن قوتها الخارقة التي تتجسم في قوله تعالى "النصر من عند الله" وصحيح أنها قوة غير منظورة ولا تدركها حتى أحدث الوسائط الرقمية وأدقها ولكنها قوة نافذة وقالبة للموازين وذكر الشيخ النيفر بأن العرب عندما انتقش الإيمان في قلوبهم دكوا في عقود قليلة أعتى الإمبراطوريات في العالم وكانت تفوقهم عددا وعتادا.

إن القوة الربّانية لا يحسب لها في نظر الماديين حساب لأنهم يعتقدون أن العبرة في قوة السّلاح والعتاد والعباد ولكن الرّوح لها أيضا دور كبير في توجيه الجيوش واقتلاع النصر ويرى الشيخ النيفر أن الله ينصر من نصره وأنه "معكم أين ما كنتم" كما ورد في القرآن الكريم. فكيف يريد المسلمون النصر على أعدائهم وقلوبهم خلو من القرآن !!!

ج- رفــع لــواء الـــــــعـــقـــــــــــل :

كان الشيخ محمد الصالح النيفر كثير الاحتكام إلى العقل والمنطق يتجافى الهوى وإطلاق الأحكام وقد استدل في كثر من دروسه وكتاباته بنعمة العقل وكان يحث طلابه ومريديه باستمرار على إعمال العقل والمحافظة عليه مبينا أن الإسلام يصون العقل و"يرسم له سبيل التفكير السوي فإن العقل متى سيطر عليه الهوى كان أفتك سلاح بيد الإنسان وأفظعه"([50]).

إن الشيخ النيفر يتوسّل إلى جانب العقل بالمنطق والقياس ويدعو إلى التدبر في الصحوة الإسلامية الحديثة متعجلا إعلان ساعة نهاية الغرب وسلطان حضارته ويرى أن القضاء على الغرب سيكون بفضل هذه الصّحوة الشبيهة بصحوة المسلمين الأولى التي "كانت قضت من قبل على حضارتي فارس وبيزنطة"(

Partager cet article

Repost0
30 août 2012 4 30 /08 /août /2012 14:43

   
 

 

ملتقى الإمام الخميني والشيخ محمد صالح النيفر

آخر جمعة من شهر رمضان المبارك 1433

تونس العاصمة

 

 

 

 

 

حضور القضية الفلسطينية في ضمير الشعب الإيراني

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                                        أ.د. محمد علي آذرشب

                                                                        أستاذ في جامعة طهران


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

اتقدم أولاً بالشكر للجامعة الدولية بتونس على دعوتهم الكريمة. وأهنئ القائمين على أمر هذا الملتقى لاختيارهم عنواناً يرتبط بصميم واقع أمتنا وطموحاتها المستقبلية، إذ جمع في عنوانه مفردات تشكل منظومة الوعي الحضاري لهذه الأمة وهي: القدس ــ الإمام الخميني ـــ الشيخ محمد صالح النيفر.

هذه المفردات تجمع بين قضية حساسة هي اغتصاب المقدس، بكل ما يحمله هذا الاغتصاب من إيقاظ للأمة على واقعها المتردي، ودفع نحو تجاوز حالة الهزيمة والذلّ.

وبين شخصيتين في شرق العالم الإسلامي وغربه تلتقيان حول مشروع استنهاض واحد يستعيد عزّة المسلمين وكرامتهم.

وبمناسبة انعقاد الملتقى في يوم القدس فإني سأقتصر في حديثي على حضور هذه القضية والقضية الفلسطينية عامة في ضمير الشعب الإيراني، وقدرة هذه القضية على تعبئة الأمة نحو رسم مستقبلها الموعود.

 

مقدمة:

في الأيام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية في إيران ظهر في الشارع الإيراني حماس غير عادي لقضية فلسطين، فالجماهير توجّهت بشكل عفوي إلى مبنى الملحقية التجارية (السفارة) الإسرائيلية في طهران، ورفعت فوقها العلم الفلسطيني مؤذنة بشكل أقرب إلى العفوي عن افتتاح أول سفارة لمنظمة التحرير الفلسطنية في العالم. ثم رفعت في مسيراتها وتجمعاتها شعار «اليوم إيران وغداً فلسطين» وغدت الشعارات على الجدران وعلى اللافتات بشأن فلسطين تنافس نظيراتها بشأن الثورة الإسلامية.

وحين زار رئيس منظمة التحرير الفلسطينية طهران خلال تلك الأيام استقبل استقبالا جماهيريا عفويا قل له نظير، وأصبحت كوفيته رمزاً يفتخر بارتدائها الشباب، وتدفق الفلسطينيون على طهران وغيرها من مدن إيران، واستقروا في بيوت جلاوزة الشاه الفارين من إيران، كما تدفق من إيران المتطوعون والمتطوعات بشكل غير مدروس وغير منتظم على مخيمات الفلسطينيين في لبنان للتدريب وحمل السلاح.

فما هي الخلفية التي حركت الجماهير الإيرانية بهذا الاتجاه؟ ولماذا حافظت هذه الظاهرة إلى حد كبير على حيويتها حتى يومنا هذا رغم ما واجهها من ألوان التهديد؟

 

«القومي» و«الرسالي» في التاريخ

الروح  القومية فطرية في أي شعب أو قبيلة أو مجموعة بشرية، فهي مظهر من مظاهر التيموس الأفلاطوني الذي يحرك الجماعة لكسب اعتراف الآخرين بها([1]) ، وبعبارة أخرى هو مظهر من مظاهر العزّة التي يسعى إليها الفرد والجماعة فطرياً .

والروح القومية في إيران تسندها حضارة فارسية عريقة كانت لها مكانتها الكبرى على الساحة العالمية، حتى ظهر الإسلام فقدم المشروع الرسالي لعزّة الإنسان، ففتح إيران بهذا المشروع، وكان من عظمته أنه وقف من الظاهرة القومية موقفاً لم يجعل الإيراني يحسّ بأية حالة من الإذلال القومي. ولذلك سخّر كلّ رصيده الحضاري لخدمة الدين الجديد([2]).

ولكنَّ الإيرانيين رأوا من بعض الولاة في عصر الخلافة الراشدة أو من بعض القبائل العربية المهاجرة نوعاً من الاستعلاء القومي، فتململوا، ولكنّ الإمام علي(ع) في عصر خلافته أنقذ الموقف ونقل مقرّ خلافته إلى الكوفة ليكون قريباً من الإيرانيين، وليقدّم تجربة إسلامية رائعة ألغت مرة أخرى كل الامتيازات القومية والقبلية، وأعادت معيار التقوى بقوّة، وفرضت عدالة صارمة في التعامل الاجتماعي والقضائي والاقتصادي وبذلك تفاعل الإيرانيون مع هذه التجربة، وترسّخت معالمها في أذهانهم، وجعلتهم ينشدونها حين ادلهمّت الخطوب في العصر الأموي وسادت العصبيات القومية والقبلية، مما ادّى إلى تحرك إيراني تحت راية الرضا من آل محمد لاستئصال شأفة الأمويين.

غير أن الآمال خابت في إقامة الحكومة العلوية، وعمد العباسيون إلى ممارسة ألوان الغدر من أجل تثبيت حكومتهم، من ذلك الغدر بالقادة الإيرانيين الذين وطّدوا لهم الحكم، وكادت الخيبة تسري إلى الرسالة الإسلامية نفسها، لولا موقف الدعاة من آل البيت الذين أعادوا إلى الأذهان المشروع العلوي في الحكم. وبين عوامل الخيبة والأمل ظهرت في إيران حركات قيل إن بعضها أعلن تخلّيه عن المشروع الرسالي ولجوئه إلى العامل القومي، مثل حركة به آفريد، وسنباد، واسحاق ترك، والراوندية، والأستاذ سيس، والمقنّع([3])، غير أن الغالبية العظمى من الجماهير الإيرانية كانت منحازة إلى المشروع الإسلامي، وهي التي قضت على هذه الحركات القومية([4]).

وظلّ الإيرانيون منحازين إلى المشروع الإسلامي يقدّمون كل ما عندهم من رصيد حضاري لنموّ دوحة الحضارة الإسلامية، ورفضوا أية نزعة استعلائية قومية داعين إلى المساواة بين العرب والعجم، وأيدهم في ذلك الرساليون من العرب والجماهير العربية المتدينة، كما تجلّى شوقهم إلى النموذج العلوي في انضوائهم إلى الحركات التي ترفع راية العدالة العلوية، حتى أصبح للإيرانيين حكوماتهم المستقلة، لاعن العرب والإسلام، بل عن سلطة الخلافة العباسية التي فقدت قدسيتها في أنظارهم([5]).

وبقي الإيرانيون في ظل الحكومات الإيرانية المتعاقبة والمتزامنة مثل الدولة السامانية والزيارية والعلوية والبويهية وحتى الصفوية والقاجارية يجعلون الروح القومية الإيرانية في خدمة المشروع الإسلامي للحياة، ولا يرون أي انفصال بين القومية الإيرانية والإسلام، ولا بين الإيرانيين والعرب.

أردت بهذا العرض التاريخي أن أخلص إلى مايلي:

1ـ نجح الإسلام في إيران أن يسخّر القومية الإيرانية لخدمة المشروع الإسلامي، دون أن يلغي الخصوصيات القومية للإيرانيين مما لا يتعارض مع الدين.

2- نجح آل بيت الرسول الله(ص) في إنقاذ الموقف، متى ما تعرّض الإيرانيون إلى حالة الإذلال والاستعلاء القومي، ولذلك ترسخت الروح الإسلامية في إيران على مرّ العصور، ولم تتكرر فيها تجربة الأندلس.

3- إن ارتباط إيران بالعرب يقوم على أرضية رسالية، ويقوى هذا الارتباط ويضعف بمقدار قوة المشروع الإسلامي وضعفه في إيران.

4- إن التمازج الحضاري بين إيران والإسلام والمساهمة الإيرانية الواسعة في الحضارة الإسلامية وفي جميع العلوم المرتبطة بهذه الحضارة بما في ذلك علوم اللغة العربية جعل الإسلام ديناً وحضارة ولغة جزءاً من الهوية القومية للفرد الإيراني.

 

«القومي» و«الرسالي» في العصر الحديث

منذ القرن السابع عشر تراكمت في العالم الإسلامي كل عوامل الضعف والانهيار. ولذلك كان من السهل جداً على القوى الفتية الأوربية أن تدخل من خلال الثغرات الهائلة التي انفحت في جسد الأمة الإسلامية.

فقد دخلت سياسياً وعسكرياً واقتصادياً للإطاحة بثلاث دول هي آخر ما بقي من الدول الإسلامية الكبرى وهي الصفوية والعثمانية والمغولية في الهند([6]).

وفي إطار موضوعنا، كان لحالة التخلف، والتدخل الأجنبي كبير الأُثر في إضرام نار الخلافات الصفوية والعثمانية. وكان للحرب بينهما كبير الأثر في إذكاء الصراع القومي والطائفي بين المسلمين([7]). ولانزال حتى اليوم نعاني من آثار هذا الصراع.

وبعد هذا السقوط تحول العالم الإسلامي إلى محميّات يحكمها المندوب السامي تارة والسفارات الأجنبية تارة أخرى.

وكانت إيران تحكمها السفارات الأجنبية مع بقاء الشاه. ومع اختلاف المصالح بين تلك السفارات فإنها اتفقت على فصل ايران عن مجموعة الحضارة الإسلامية، واشتملت خطة الفصل على الصعيد الشعبي والنخب باختصار على ما يلي:

1ـ التركيز على المحور الطائفي لفصل إيران بأكثريتها الشيعية عن العرب بأكثريتهم السنية.

2- إثارة النعرات القومية الإيرانية ضد العرب باعتبارهم قوماً أبادوا الحضارة الفارسية القديمة وتعاملوا باستعلاء مع الإيرانيين.

3- ما تعيشه إيران من تخلف إنّما هومن الدين العربي، ولابدّ لكي تتطور أن تتخلص من تقاليد هذا الدين ومن اللغة العربية والحرف العربي.

4- قطع الصلة بين الإيرانيين والتاريخ الثوري الإسلامي وعلى رأسه ثورة الحسين(ع)، عن طريق الاستهانة بمجلس العزاء الحسيني والسخرية من الحزن على الحسين.

5- ضرورة تقليد الغرب في كل فعله لتحقيق نهضته، وعلى رأس ذلك فصل الدين عن السياسة، وحصر مسؤولية علماء الدين في المساجد لأداء الطقوس والعبادات.

6- إثارة حالة من الحقد والكراهية لعلماء الدين.

7- إثارة البلبلة في العقائد الدينية عن طريق افتعال مذاهب منحرفة([8]).

أما على الصعيد الرسمي فقد تكرست التجزئة عبر ربط مصالح الحكم بدوائر الاستعمار الغربي، وإحاطة الجهاز الحاكم بالأرستقراطية الجاسوسية([9]) مثل البهائيين والماسونيين والصهاينة من أبناء الجالية اليهودية.

لقد نجحت الخطة تماماً علىالصعيد الرسمي أما على الصعيد الثقافي فقد استطاعت أن توجد تيارات من النخب المثقفة لا تؤمن بدور الدين في الحياة، وكان لإهمال الدور الديني والاستهانة به الدور الكبير في إخفاق مساعي هذه النخب في النهضة والإصلاح وفي إخفاق الحركة الوطنية التي استهدفت تأميم النفط، فقد أدّى تعارض الاتجاه العلماني والاتجاه الديني إلى انهزام حركة شعبية أوشكت أن تحرر إيران في الخمسينيات([10]).

بعد هزيمة تلك الحركة الوطنية دخلت الولايات المتحدة بقوة في إيران لتسيطر على كلّ المرافق الحيوية في البلاد، وبدأت منذ ذلك الحين عملية مكثفة لفصل إيران عن العالم العربي باستخدام الوسائل القديمة نفسها مع توسيع نطاق الدراسات الإيرانية القومية الرافضة للإسلام في الجامعات، وإسقاطها على مناهج الكتب الدراسية([11])، وإشاعة روح التحلل والفساد بين الشباب، وتقوية الجهاز البهائي المرتبط بأمريكا والصهيونية، وتحويل إيران على الصعيد الأمني والعسكري إلى دركي في المنطقة، ورافق ذلك ظاهرتان هامتان في العالم العربي هما: إقامة دولة الصهاينة في فلسطين، وظهور طيف في التيار القومي العربي معاد لإيران.

وسواء نظرنا إلى إقامة الدولة الصهيونية في سياق صراع حضاري أوفي إطار صراع المصالح فإن الذي لا خلاف فيه أنها خُلقت ضمن مشروع إنهاء ظاهرة الأمة الإسلامية التي تستشعر اشتراكاً في المصالح، وتحويلها إلى مجموعة من البلدان ذات توجهات ومصالح متباينة، مع خلق بؤر للأزمات ليتحول التباين إلى صراع متى ما اقتضت مصالح الهيمنة الدولية.

وضمن هذا المشروع تؤدي إسرائيل دوراً هاماً في تكريس التشتيت وصراع المصالح، كما أنها مرشحة دائماً لمواجهة أي وجود داخل العالم الإسلامي يسعى إلى استعادة الرابطة الإسلامية بين شعوبه لا بالطريق العسكري فحسب، بل أيضاً باستخدام شتى أنواع الأسلحة التي مارستها الصهيونية في العالم كالإعلام والجنس والمال والتجسس.

أما بشأن ظهور اتجاه بين الاتجاهات القومية العربية يحمل عداءاً لإيران في العالم العربي، فلابدّ من التوضيح أن هذا العداء لو اتجه إلى نظام الشاه فقط لكان طبيعياً، بحكم وقوف الشاه ضد مصالح العرب في دعمه للصهاينة ودولتهم وللسياسة الأمريكية في المنطقة، لكن العداء كان موجهاً إلى كل إيران تاريخاً وشعباً ومذهباً، فكتُب التاريخ وتاريخ الأدب والكتب الدراسية في بعض البلدان العربية امتلأت منذ الستينيات بشكل خاص بالحديث عن إيران بأنها كانت على مرّ التاريخ الإسلامي مصدراً للحركات الهدامة المعادية للعرب ومصدراً للزندقة والإلحاد والمجون، وعن الخطر الفارسي المتواصل ضد العرب، ورسمت خرائط إيران بصورة تدعو إلى تجزئة إيران([12]).

مما تقدم يلاحظ أن كلّ عوامل عزل إيران عن العرب وعن القضايا العربية قد توفّرت في الخمسينيات والستينيات: عامل التغرب، وعامل تكريس الروح القومية في الداخل، وعامل الهيمنة الخارجية، وعامل الطيف المتعصّب ضد إيران في الخارج.

 

«القومي» و«الرسالي» في حركة الإمام الخميني

بدأ الإمام خطابه بالحديث عمّا يهدّد مصالح إيران القومية من قبل أمريكا والصهيونية، ودعا الشاه إلى التحرر من نير الإرادة الأجنبية والحفاظ على عزّة إيران وكرامتها. وهذا الخطاب حين يصدر من مرجع ديني فإنه يعني تسخير المشاعر القومية والوطنية في صالح المشروع الديني.

وبمرور الأيام دخل الإمام الراحل في مواجهة مباشرة هائلة سخّر فيها كل عواطف الجماهير أمام مثلث الشاه أمريكا إسرائيل.

وكانت عظمة هذا الخطاب تتجلّى في قدرته على دفع القوى القومية العلمانية الإيرانية إلى الانزواء بعد أن تحولت نهضته إلى بركان للدفاع عن المصالح القومية لإيران تحت راية الإسلام. كما دفع اليسار إلى الانزواء بعد أن أصبح في طليعة الثوار المعادين للامبريالية الأمريكية في العالم.

كما أن تأكيده المستمر على القضية الفلسطينية وكأنها جزء من قضية إيران، وعلى الخطر الصهيوني وكأنه خطر يحدق بإيران قبل أن يهدد العالم العربي، جعل الصراع بين جبهتين: الإسلامية التي تتحقق في ظلها عزّة إيران وكرامتها، وجبهة أمريكا والصهيونية التي تستهدف إذلال المسلمين والسيطرة على مقدراتهم وإهدار كراماتهم.

والواقع أن القضية الفلسطينية خدمت مشروع الإمام الخميني بقدر ما خدمها، فهي كانت مركز الثقل الذي يستند إليه الإمام في إحياء مشروعه الإسلامي الداعي إلى وحدة الأمة الإسلامية ووحدة قضاياها، وضرورة الوقوف صفاً واحداً تجاه ما يواجهها من أخطار وتحديات. كما أنها أيضاً خدمت بشكل كبير مشروعه في مواجهة الفصل بين «القومي» و«الإسلامي» وجعلت قضية الإيرانيين والعرب واحدة هو التحدي الصهيوني.

من هنا نفهم سبب مواقف الشارع الإيراني من القضية الفلسطينية بعد انتصار الثورة الإسلامية([13])، ومن هنا نفهم أيضاً سبب الحساسية البالغة التي أبداها الشارع الإيراني تجاه أمريكا.

فالشارع الإيراني شُحن فكرياً ونفسياً بضرورة مواجهة مثلث الشاه والصهيونية وأمريكا، وهذا الشحن تواصل بعد سقوط الشاه، واليوم نستطيع أن نفهم أكثر من أي وقت مضى سبب مواصلة الإمام لهذا الشحن، وسبب تحذيره المستمر من التنازل أمام التهديدات الأمريكية الصهيونية.

وهنا نشير إلى أن ارتباط مثلث الشاه – الصهيونية – أمريكا اتضح للإيرانيين بالوثائق بعد الثورة حين جمع الشباب الإيراني ما حصلوا على جذاذاته في السفارة الأمريكية ونشروه في مجلدات خاصة بعنوان: «محتلو القدس» و«أمريكا حامية محتلي القدس» و«فلسطين – 1» و«فلسطين – 2».

وحين يمتزج القومي مع الإسلامي في حركة مستقبلية يدخل كل الموروث الثقافي ليشكّل حوافز هذه الحركة ورموزها ومن أهم هذه الحوافز والرموز لدى الإيراني:

 

الدفاع عن المقدسات

القدس حاضرة في كل أدبيات الثورة الإسلامية بشأن فلسطين وفي فنونها وإعلامها. فبيت المقدس والأقصى يرمزان إلى المقدس في القضية الفلسطينية، والمقدس بما له من بعد غيبي لامتناه يشدّ الفرد والجماعة البشرية نحوه إيمانياً، ويزوّد المسيرة بعطاء متواصل، ويدفع إلى التضحية من أجل الحفاظ عليه.

حتى النظم الوضعية تحتاج إلى قدسية تجسّدها في العَلَم وفي الدستور وفي تراب الوطن من أجل شدّ الجماهير بالنظام.

والمقدس في القضية الفلسطينية يستوعب كل ذرة من تراب هذا الوطن الإسلامي، لكنه يضمّ أيضاً رموزاً تشكل عامل شد وتحريك لكل المسلمين، إلى جانب ما فيها من رموز مقدسة يشترك فيها المسيحيون والمسلمون.

والمقدس يمكن أن يكون وسيلة لقياس مافي الأمة من حياة ويستطيع العدوّ من خلاله أن يجسّ النبض ويعرف مستوى الحيوية. من هنا فإن احتلال الصهاينة للقدس وتدنيسها بأقدام القتلة كان يستهدف الإعلان عن انتهاء هذه الأمة.

لكن ردود الفعل المناسبة وخاصة انتفاضة الأقصى بدّدت آماله، ولهذا رأى الشارع الإيراني في انتفاضة الأقصى أنها إعلان عن وجوده هو، ودفاع عن كرامته هو، وهذا التفاعل مع الانتفاضة في إطار الدفاع عن المقدس من أهم رموز حضور القضية الفلسطينية في الشارع الإيراني.

في مسابقة «طريق القدس» التي أجراها مركز الدراسات الفلسطينية ولجنة الدفاع عن الثورة الإسلامية الفلسطينية بطهران في موضوع رسوم الأطفال تقدم 13422 متسابقاً من تلاميذ الابتدائية والتوجيهية والثانوية الإيرانيين، وقدّموا لوحات رسوم ترتبط بانتفاضة الشعب الفلسطيني، وقلّما نجد لوحة تخلو من صورة بيت المقدس ببنائه المضلع وقبته، مما يدلّ على عمق المقدس الفلسطيني في وجدان الشارع الإيراني.

كما أن رسوم الفنانين الإيرانيين والأناشيد الفلسطينية الإيرانية قلّما تخلو من القدس وبيت المقدس وقبة الصخرة والأقصى، وكلنا نتذكر عمليات «طريق القدس» في ردّ العدوان على الجمهورية الإسلامية وما حققته باسم هذا المقدس من انتصار. وهكذا انشداد الإيرانيين بمسلسل «طريق القدس» يحكي عن التعاطف النفسي مع الأمير العربي الحمداني في الدفاع عن المقدسات، ووجود «ساحة القدس» و«شارع القدس» إلى جانب «ساحة فلسطين» و«شارع فلسطين» في طهران والمدن الإيرانية الأخرى، تنمّ عن رموز القدسية في قضية فلسطين لدى المجتمع الإيراني.

 

مظلومية الشعب الفلسطيني

أظنّ أن أدبيات الثورة الاسلامية ووسائل إعلامها تنفرد في إطلاق صفة «المظلومية» على الشعب الفلسطيني والانتفاضة الفلسطينية، فهذه الصفة قد تكون سلبية في كثيرمن الأذهان، لكن الذهنية الإيرانية الإسلامية يتداعى لها «مظلومية» كل أصحاب الحقّ في التاريخ، وخاصة في التاريخ الثوري الإسلامي وفي قمته تاريخ واقعة كربلاء. والمظلوم وفق هذه الذهنية ليس المقهور والمهزوم، بل هو طالب الحق الذي قل عدده وعدّته، لكنه يأبى الذلّ ويرضى أن يتعرّض لألوان الظلم دون أن يتنازل عن حقّه.

يظهر من العمق النفسي الإيراني أنه تعرض على مرّ التاريخ القديم لألوان الظلم من السلالات الحاكمة التي كانت تسخّر الشعب لأهوائها وفتوحاتها، ولعلّ هذا هو العامل الذي جعل الإيرانيين يحتضنون بضعة آلاف من المسلمين في الفتح الإسلامي ويساعدونهم على تسخير إيران رغم كل ما كان لكسرى من قدرة عسكرية تنافس قدرة الروم. ولعلّ هذا أيضاً هو العامل الذي حال دون أن يستطيع المسلمون فتح بلاد الديلم في القرن الأول والثاني، لأن الديلم كانوا لا يفرقون بين هؤلاء الفاتحين الجدد وبين المقاتلين من أجل الهيمنة والنفوذ، لذلك ظلوا على دينهم حتى جاءهم «المظلومون» من العلويين الفارين من السلطة العباسية، فاحتضنونهم، ودانوا بدينهم ومذهبهم ، ثم انتصروا لهم بعدأن أسسوا الدولة البويهية في إيران والعراق.

الإمام الخميني انطلق من هذه الخلفية النفسية للإيرانيين حين استثارهم في مسألة «الفيضية». فقد أضرم النار في الشارع الإيراني حين تحدث بصوت باك عن مظلومية طلبة المدرسةالفيضية.. كما أنّ صورة «المظلومية» التي أحيط بها بعد أن أجبر على مغادرة النجف، فظلّ حائراً حتى ألقته المصادفات في باريس، هذه الصورة كانت المسمار الأخير الذي دقّ نعش الشاه وأقامت إيران ولم تقعدها إلاّ بعودة الإمام من منفاه إلى أرض الوطن.

وحين تصاعد التآمر الداخلي في بداية الثورة ضد الخط الإسلامي الملتزم ومن رموز هذا الخط الشهيد الدكتور بهشتي، تحدّث الإمام في اليوم التالي لانفجار الحزب الجمهوري الإسلامي بلغة قلبت المعادلة تماماً لصالح الخط الإسلامي. وما كانت هذه اللغة سوى «مظلومية» الشهيد بهشتي.

والمظلوم بسبب هذه الخلفية النفسية التاريخية محبّب إلى نفوس الإيرانيين، وإن كان محبباً لدى كل الذين يقفون في صفّ المظلومين لمقارعة الظالمين، لكنه لدى الإيرانيين يرتبط أيضاً بكل من يقدسونهم في التاريخ من أمثال علي وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأبي ذر وياسر وسميّة وعمّار وغيرهم من الصحابة والتابعين.

الرسوم والأفلام والمسلسلات الإيرانية حول فلسطين تحكي عن شعب وادع هادئ يتعرّض للإرهاب والوحشية، وتتحدث عن مقتل الأطفال والنساء والشيوخ. وتتحدث عن أرض سليبة وعوائل مهجّرة ومخيمات مبثوثة، وعن مجازر تعرّض لها المشردون في المخيمات، وكلها تلتقي مع الوجدان الإيراني المتعاطف مع المظلوم، وتبقي القضية حيّة في النفوس وفي يوميات الإنسان الإيراني.

 

حتمية انتصار المستضعفين

هذه سنة قررها القرآن الكريم، لكنها في الوجدان الشعبي الإيراني عميقة الجذور، ترتبط بما واجهه على مرّ التاريخ من مرارة لم ينهزم أمامها لإيمانه بأن «بايان شب سيه سفيدي است»([14]) = نهاية الليل القاتم الصباح الأبلج. وهذا الإيمان المتجذّر التقى مع فكرة المهدي المنتظر عليه السلام، فأصبحت قضية المهدي تعيش جنباً إلى جنب مع قضية كربلاء في وجدان الإنسان الإيراني.

مرّت على الإيرانيين طوال التاريخ ظروف ترغم كل شعب على اليأس والقنوط والاستسلام، لكنه التفّ على هذه الظروف وحوّلها لصالحه. وفي العصر الحديث مرّ بتجارب كثيرة رسخت هذا الإيمان في أعماقه. من ذلك الانتصار الإسلامي الذي تحقق في أرض الهيمنة الإمريكية والصهيونية، ومن ذلك نجاح المقاومة في صدّ حرب عالمية ضد إيران استمرت ثماني سنوات. ومن ذلك نجاح التصدي للمقاطعة الاقتصادية والإرهاب والمحاصرة السياسية.

من هنا لا يمكن أن تسود في الشارع الإيراني يوماً فكرة انتهاء القضية الفلسطينية حتى في أحلك ظروف استسلام القيادات أو البطش الصهيوني، بل يرى أن نهاية النصر قد اقتربت كلما ادلهمت الخطوب وتفاقمت الأوضاع.

وعبارة:     )وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً    (     (الاسراء:81) تحتل مساحة واسعة في الأدبيات والإعلام والشعار وفي رسوم الأطفال، معبرةً عن حتمية انتصار الحق على الباطل. ومن المسلمات التي لا ترديد فيها أن الشعب الفلسطيني قد حرم من حقّه في أرضه وفي عودته ومن سائر حقوقه بوطنه. ولا يمكن أن يفرض الواقع نفسه مهما طال الزمن في تغييب فكرة «الحق» لدى الإنسان الإيراني، فالحق مقدس عنده، الحق هو الله في الأدب الفارسي وفي الخطاب اليومي الإيراني، والحق ارتبط بشخصية علي في مواجهة الباطل، لذلك فإن عبارة «حق با علي» = الحق مع علي، من التعبير الشائع في الشارع الإيراني، وقد يكون مستلهماً من الحديث الشريف: «علي مع الحق والحق مع علي».

فالحق مقدّس والمدافعون عن الحق منتصرون لا محالة، مهما قلّ الناصر، وعبارة: «الدم منتصر على السيف» = «خون بر شمشير بيروز است» جاءت من الإمام لتنسجم مع نبض الشارع الإيراني، فتحولت إلى شعار للثورة، ثم إلىشعار للقضية الفلسطينية. ثم إن ثورة الحجارة تندرج في سياق القدرة الفائقة للحجر على ردّ كيد المعتدين، وعلى مفعولـه المعجز في الانتصار على الدبابة كما يُرى في رسوم الإيرانيين ومسرحياتهم عن الانتفاضة.

والفجر الذي يظهر في كثير من الأعمال الفنية الإيرانية بشأن فلسطين، والحصان الأبيض الذي يُرى في بعضها الآخر يدلّ على الأمل في المستقبل وحتمية انتصار الحقّ في النهاية.

 

عالمية الخطر الصهيوني الأمريكي

النظرة الشعبية لإسرائيل أنها جزء من ظاهرة عالمية تريد أن تسيطر على مقدرات العالم، وهذه النظرة تنطلق من معاناة الإيرانيين من الصهيونية في زمن الشاه، وسيطرة الصهاينة وأمريكا على مقدّرات إيران. من هنا فإن الخلاف مع الصهاينة ليس على هذا الجزء أو ذاك الجزء من أرض فلسطين ولا أيضاً على أرض فلسطين بأجمعها، بل الخلاف على المخطط الصهيوني للاستعلاء على كل العالم وجرّ البشرية إلى حالة من الانحدار بحيث يمكن السيطرة عليها.

ولهذا فإن الشارع الإيراني رفض كلّ ما يسمى بمحادثات السلام جملة وتفصيلاً، وخطابه هو الخطاب الوحيد الذي يعلن أن حلّ مسألة فلسطين يكمن فقط بتحريرها من براثن الصهيونية.

ولذلك لا تجد الفئة التي تعتقد بانفصال القضية الفلسطينية عن المصالح الوطنية الإيرانية، أو التي تدعو إلى موقف إيراني يبعد عن إيران خطر هجوم إسرائيلي صدى في الشارع الإيراني، بسبب هذا الفهم لطبيعة الصهيونية.

والملفت للنظر في موقف الشارع الإيراني من أمريكا أنه ينفرد في المجموعة الإسلامية بعدم انجراف فئاته الإسلامية منذ الخمسينيات مع المشروع الأمريكي الذي استهدف تعبئة المشاعر الدينية لمواجهة الخطر الشيوعي. كل الفصائل الإسلامية في إيران كانت ترفض ما يسمى بالإسلام الأمريكي الذي لا يقبل إلاّ إسلاماً يكافح الشيوعية  دون أن يصطدم بالأطماع الأمريكية والغربية. النظرة لأمريكا أنها وراء تثبيت نظام الشاه ووراء الغزو الصهيوني للمنطقة، ووراءمحاولة إغراق الشباب في المفاسد والموبقات، من هنا كانت المجابهة الشعبية تتجه إلى مثلث أمريكا – الصهيونية – الشاه.

ولقد شهدت الساحة فيما بعد أحداث انقلاب أمريكا على حلفائها القدماء من التيارات الإسلامية بعد أن استنفدت أغراضها منهم، ثم شهدت الوقوف الأمريكي الصارخ في دعم إسرائيل حتى في أشد ظروف بطشها وإرهابها.

عبارة«الشيطان الأكبر» أدخلها الإمام الخميني (رض) في أدبيات الثورة الإسلامية وإعلامها حتى أصبحت الكلمة مرادفة لأمريكا على الصعيد العالمي أيضاً.

خاتمة

انصهار الذات القومية الإيرانية في الرسالة الإسلامية جعل الإيرانيين ينظرون إلى قضايا كل المجموعة الحضارية الإسلامية بأنها قضيتهم، وكلما ازداد هذا الانصهار، إزداد ارتباط الإيرانيين بقضايا الأمة وعلى رأسها اليوم القضية الفلسطينية، ولذلك شكل الانتصار الإسلامي في إيران بقيادة الإمام الخميني تحريكاً هائلاً للشارع الإيراني نحو قضية فلسطين. والإعلام العربي يثير أحياناً الحزازات القومية بين الايرانيين والعرب، مما يشكل خطراً على الانتماء الحضاري لإيران. واحياناً يهزأ بالاتجاه الديني الملتزم في إيران مُطْلِقاً عليه اسم «حكومة الملالي» غافلاً أن علماء الدين في إيران يمثلون رمز النضال في إيران من أجل بقاء الانتماء الحضاري والبقاء إلى جانب القضايا العربية.

المحتوى الفكري والعاطفي الذي يشكل خطاب الشارع الإيراني تجاه قضية فلسطين هومزيج من إيمان بالثوابت ومن تجارب عملية تاريخية ومنها المقدسات – والمظلومية – وحتمية انتصار المستضعفين – وعالمية الخطر الصهيوني الأمريكي. 



[1]  - انظر رأي فوكوياما في دور التيموس على مسار حركة تاريخ الشعوب، في جميع فصول كتاب: نهاية التاريخ.

[2]  - انظر خدمات متقابل إيران واسلام (فارسي) الشهيد مرتضى مطهري، مترجم إلى العربية تحت: إيران والإسلام.

[3]  - انظر في تاريخ هذه الحركات كتاب: «تاريخ جنبشهاي مذهبي در إيران» (فارسي)، عبد الرفيع حقيقت، ج2، انتشارات كوش، طهران.

[4]  - انظر كتاب: العلاقات الثقافية الإيرانية العربية د. محمد علي آذرشب. مقال: موقع العلاقات العربية الإيرانية في إطار العالم الإسلامي، منشورات المستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق

[5]  - خدمات متقابل. مصدر مذكور.

[6]  - انظر كتاب: الشعوب الإسلامية/ الأتراك العثمانيون – الفرس – مسلمو الهند، الدكتور عبدالعزيز سليمان نوار، منشورات دار النهضة العربية، بيروت.

[7]  - انظر كتاب: مقدمة فكرية لحركة المشروطة، الدكتور علي أكبر ولايتي، منشورات المستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق.

[8]  - انظر المصدر السابق نفسه.

[9]  - «اشرافيت اطلاعاتي» مصطلح أطلقه الجنرال الاستخباراتي السابق حسين فردوست على هذه المجموعة. انظر: ظهور وسقوط سلطنت بهلوي (فارسي)، انتشارات اطلاعات ، ج 1 .

[10]   - انظر كتاب: تاريخ سياسي معاصر إيران، سيد جلال الدين مدني (فارسي)، دفتر انتشارات إسلامي، وترجم إلى العربية بعنوان: «تاريخ إيران السياسي المعاصر»، منظمة الإعلام السياسي.

[11]   - انظر ورقة الدكتور عادل حداد بعنوان: «صورة العرب في الكتب الدراسية الإيرانية» في كتاب: «العلاقات العربية الإيرانية – الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل» مركز دراسات الوحدة العربية.

[12]   - انظر: ورقة الدكتور طلال عتريسي بعنوان: «صورة الإيرانيين في الكتب المدرسية العربية»، كتاب: العلاقات العربية الإيرانية.. مصدر سابق.

[13]   - انظر أسماء بعض الأفلام والمسلسلات والمسرحيات الإيرانية حول فلسطين، وانظر بعض الطوابع الإيرانية في المناسبات الفلسطينية، وجانب من الاهتمام بالأدب الفلسطيني.

[14] - انظر الإمداد الغيبي في حياة البشرية، الشهيد مرتضى مطهري، منشورات مؤسسة البعثة، طهران.




















Partager cet article

Repost0
29 août 2012 3 29 /08 /août /2012 15:43

مداخلة السيدة ابتسام بن حفصية بمناسبة يوم القدس العالمي

29 رمضان 1433 – 17 أوت 2012 

 

بسم الله الرحمان الرحيم

عنوان المداخلة :

الصحافة اليهودية في تونس في النصف الأول من القرن العشرين:بين خطر التفرقة وتصدي النخب المسلمة

 "الشيخ محمد صالح النيفر نموذجا ''

يحيلنا العنوان الر ثلاث محاور أساسية:

المحور الأول: الصحافة اليهودية في تونس وهو مبحث لا يعلمه الكثيرون بل قد لا يعلمه إلا بعض الباحثين في مجال الحضارة فهي صحافة بقدر ما كانت فاعلة في عصرها بقدر ما تلاشى ذكرها وطمرت في تاريخنا الحديث.

المحور الثاني:المتمثل في الخطر الصهيوني التي ظهرت حملاته على أعمدة بعض الصحف اليهودية وفي هذا المحور لن نعرف بالصهيونية كحركة ونما سنوضح كيفية توظيفها لبعض الصحف اليهودية لتعميق الهوة بين اليهود التونسيين وأرض الأجداد وتحفيزهم على الهجرة الجماعية إلى إسرائيل من خلال حملات صحفية شعواء ضد النظام السياسي والقضا ئي  ولكن أيضا ضد بقية أفراد الشعب من المسلمين.

المحور الثالث: الشيخ محمد صالح النيفر مشروعه الفكري في التصدي لما يهدد الأمة من خطر الانشقاق والتفرقة وهو مشروع منقسم بدوره إلى قسمين:

1-التصدي المباشر للحركة الصهيونية ومساندة القضية الفلسطينية.

2-تصدي غير مباشر من خلال الدعوة إلى الوحدة الوطنية وتهيأت النشأة دينيا وأخلاقيا لمقاومة مثل هذا الفكر المتطرف.


1/الصحافة اليهودية في تونس في النصف الأول من القرن العشرين:

من الضروري في البداية قبل التعريف بالصحافة اليهودية أن نرفع إي التباس بين الصحافة اليهودية والصحافة الصهيونية.

فالصحافة اليهودية في تونس كانت لسان حال الأقلية اليهودية التي كانت تعبر من خلالها عن همومها وشواغلها وكانت كغيرها من الصحافات خاضعة إلى عدة تجاذبات فكرية وسياسية ولم تكن الصحافة الصهيونية إلا جزءا منها.

نشأت الصحافة اليهودية في تونس مع بداية تدوين الكتابة اليهودية العربية وهي كتابة خاصة باليهود التوانسة ( وهنا لا نعني التونسيين بل "التوانسة" وهو مصطلح يطلق على اليهود الذين يعود تواجدهم في تونس إلى ما قبل ميلاد المسيح)

وهذه الكتابة هي عبارة عن تمثيل صوتي بواسطة أصوات وحركات عبرية للهجة التونسية العامية ثم تطورت هذه الصحافة مع ظهور الصحف اليهودية المكتوبة بالفرنسية لتدافع عن مصالح المجموعة اليهودية وتواكب الأنشطة السياسية والفكرية لمختلف الأحزاب والتيارات السياسية اليهودية الناشطة في تلك الفترة.امتد نشاط هذه الصحافة من نهاية القرن التاسع عشر إلى الستينات من القرن العشرين وقد عرف مسار تطورها ثلاث منعرجات حاسمة:

المرحلة الأولى: المرحلة التأسيسية بداية من سنة 1878 تاريخ إصدار أول صحيفة يهودية تونسية لصاحبها ابراهم الطيب مرحلة امتدت إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى وأكثر ما يميزها علو مستوى الشكل صدورها بالكتابة اليهودية العربية أما على مستوى المضمون فكانت ذات طابع ترفيهي وتثقيفي وتعليمي ولم تكن تحمل في المجمل أهدافا سياسية تذكر وبالتالي فإنها لم تتجاوز في تلك الفترة مرحلة الهواية.

المرحلة الثانية مرحلة الحرفية:

هي مرحلة ازدهار تبلورت فيها الصحافة اليهودية وتجسدت فيها الحرفية على مستوى الشكل والمضمون ومن أهم مميزاتها تحول لغة الكتابة من اليهودية العربية إلى اللغة الفرنسية, وهذا التحول كان نتاجا لحركة التغريب التي خضع لها اليهود والى التغييرات الفكرية والسيسواقتصادية التي طرأت على المجموعة اليهودية في تونس عقب انتصاب الحماية بالإضافة إلى تنام الحركات الوطنية وحركات المقاومة التي وضعت الفرد اليهودي أمام حملة من التساؤلات والمفاهيم المتعلقة بهويته ومدى ارتباطه بالرقعة الجغرافية التي يعيش فيها إذ لم يكن مفهوم الانتماء إلى الوطن واضحا آنذاك لذلك عاشت الأقلية اليهودية في تلك الفترة حالة من التمزق والتجاذب بين "التونسة والفرنسة" إن صح التعبير بين المحافظة والحداثة , بين الديني  واللائكي وهو وضع لم يكن حكرا على اليهود فحسب بل على المسلمين أيضا (وهي نقطة سنأتي على ذكرها لاحقا من خلال حديثنا عن الدور الذي لعبه الشيخ محمد صالح النيفر للتصدي إلى حركة التغريب التي طرأت على المجتمع التونسي) هذه الحركة التي لم تستطع الأقلية اليهودية الصمود أمامها بما أن الخصوصية التي تتميز بها في الدين واللغة والثقافة تغذي فكرة  الاغتراب والإحساس بالدونية أمام اية وضعية  صدامية مع الأخر.

وتعتبر مرحلة ما بين الحربين مرحلة ثرية على مستوى الأحداث السياسية والمتغيرات العالمية والمحلية كما أنها فترة حساسة وحاسمة في تاريخ اليهود المعاصر اذا شهد العالم آنذاك احتدادا للحركة الصهيونية قابلتها نهضة في  حركات المقاومة العربية لذلك اقتضت ظروف المرحلة نشاطا غير عادي في الصحافة التونسية عموما والصحافة اليهودية على وجه الخصوص فكانت هذه الصحف تمثل حقا صدى صوت المجموعة اليهودية على اختلاف تياراتها ومن نتائج المرحلة انقسام اليهود في تونس(وبالتالي الصحافة اليهودية) إلى ثلاث اتجاهات سياسية كبرى.

التيار المحافظ المتمسك بجذوره رغم بعض التحفظات

-التيار الحداثي المتطلع إلى الانعتاق من سلطة القانون التونسي والاندماج في الجنسية الفرنسية

 -التيار الصهيوني التنقيحي المتطلع الى أرض الميعاد.

ويمكن أن نستند في هذا التقسيم إلى مقال صادر في صحيفة المساواة اليهودية صدر يوم 12 جويلية 1929 الموافق للرابع من تموز سنة 5689 بالتقويم العبري في الصفحة الأولى كتبه فليكس بجاوي وهو ملخص فلعليات الاجتماع  الحاخامي الكبير بتونس وقد ورد فيه ما يلي:

''إن كل مسألة يهودية تونسية مهما كانت بسيطة تصبح بسرعة قضية وذلك لسبب وحيد هو أن الرأي العام اليهودي مقسم إلى ثلاث. المتحدثون الثلاث هم ثلاث صحف: المساواة العدالة واليقظة اليهودية.

-الأقل هو لسان حال اليهود المحافظين وهم يؤيدون الاستيطان في فلسطين دون أن يكونوا مؤيدين بصفة خاصة للصهيونية.

الثاني: لسان حال الحداثيين  وهم من أنصار فرنسا.

وأخيرا: اليقظة اليهودية التي لا تمثل بشجاعة الصهيونية فحسب بل القومية اليهودية أيضا'' انتهى

إن هذا المقتطف يلخص كل ما سنأتي على ذكره ويعبر عن واقع الصراع الفكري والسياسي في صفوف اليهود في تونس  كما يراه اليهود أنفسهم كما يبين المقال إلى أي مدى كانت هذه التيارات فاعلة وقادرة على التأثير في المجموعة اليهودية من خلال الترويج لأفكارها وإيديولوجياتها عبر الصحافة. وفيما عدا التيار المحافظ الذي بقي تيارا فكريا ولم يتسم بأي صبغة سياسية رسمية فان باقي التيارات تحولت إلى أحزاب سياسية.

فقد تحول التيار الحداثي إلى حزب سياسي مع بداية الثلاثينات  تحت اسم حزب الحركة والانعتاقاليهودي وهو حزب متأثر في أفكاره وتسميته بالثورة الفرنسية وفلسفة التنوير.

في حين تحول التيار الصهيوني من "الصهيونية الدينية" التي تعتبر موروثا ثقافيا قائما على مفهوم العودة إلى صهيون,إلى "صهيونة سياسية"  ولم تصبح حزبا سياسيا في تونس إلا بداية من سنة   1914 لتأخذ شكلها الثالث مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وتتحول إلى" صهيونية التهجير" وأول من شارك في هذا الحزب مجموعة كبيرة من المجنسين المحبطين بعد أن تخلت عنهم فرنسا اثر الاجتياح الألماني

المرحلة الثالثة للصحافة اليهودية هي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثالثة تراجعت فيها الصحافة اليهودية ولم يصدر منها إلا ثلاث عناوين وأولها الصباح التي صدرت سنة 1936 ثم صحيفة ''لابراس'' التي أصدرها هنري سماحة سنة 1936 وأخيرا صحيفة إسرائيل.هذا التراجع له عدة أسباب  أهمها

 - دخول الجيش النازي وتنكيله باليهود في تونس

- هجرة اليهود من أصحاب الجنسية الفرنسية إلى أوروبا اثر خروج الاستعمار الفرنسي

-الهجرة الجماعية المكثفة باتجاه إسرائيل التي حفزها التيار الصهيوني  بتونس الذي كان يتصيد كل شعور بالاضطهاد في صفوف اليهود في تونس ليضيق عليهم الخناق فلا يترك أمامهم إلا خيار الهجرة.

وفي هذا السياق يقول مردوخاي سماجة الأب الروحي للتيار الحداثي في تونس في كتابه "توسيع رقعة التشريع والجنسية الفرنسية '' لقد كان الدين هو الملاذ الوحيد الذي يحتمي فيه أصحاب النفوس الضعيفة لذلك كانت عيونهم موجهة دائما إلى إسرائيل حلم كل إسرائيلي مضطهد. إن إحساس الصهيونية لا يوجد إلا عند الإسرائيليين فقط أما من ينعم بنفس حقوق غيره من المواطنين فان هذا الإحساس مجهول تماما '' انتهى

إن الثغرات التي كانت تعاني منها القوانين المدنيّة و الشرعيّة في القضاء التونسي إلى حدود النصف الأوّل من القرن العشرين مثلت نقطة ايجابيّة بالنسبة إلى التيّار الصهيوني ارتكز عليها لاستقطاب أكبر عدد من اليهود وزجهم أمام بوّابة الهجرة إلى إسرائيل. ما نريد أن نصل اليه في النهاية هو أنّ الصهيونيّة لم تكن نتيجة لأحداث تاريخيّة بقدر ما كانت فكرة تصنع الأحداث لتكتمل فهي خاضعة في نشوتها و تطوّرها لثلاث مراحل أساسيّة :

أوّلا : مرحلة الإيمان المتمثلة في "الصهيونيّة الدينيّة"

ثانيا : مرحلة التخطيط المتمثلة في  " الصهيونيّة السياسيّة"

ثالثا : مرحلة التطبيق المتمثلة في  "صهيونيّة التهجير"

 

لقد استطاعت هذه المدوّنة (الصحف اليهوديّة) أن تواكب نشوء فكرة القوميّة و تطوّرها في مراحلها الثلاث و في كل مراحل بناء الكيان الصهيونية تأسيسه من خلال إبراز وجهات نظر التيارات السياسيّة و الفكريّة اليهوديّة سواء أن كانت محافظة أو اندماجيّة أو صهيونيّة فإنها تتفق رغم اختلاف الدرجات على أهمّية بناء "الدّولة الصهيونيّة" على أرض فلسطينيّة.

وفي هذا السياق يتحدّث "هنري معارك في كتابه النشاط الصهيوني في تونس عن دور الصحف الصهيونيّة في العمل الدّعائي السياسي و يقول " لقد أعطت بعدا جديدا للتطلّعات الماشيحانيّة المبهمة لدى الجماهير ورسّخت في أذهاننا تعريفا أكثر علميّة و واقعيّة للقوميّة اليهوديّة التي ننتظر كلنا ساعة ترميمها لقد مهّدت لنا هذه الجرائد الطريق و جنّبتنا مشقّة الانطلاق من الصفر" انتهى الشاهد

و لا يفوتنا في ختام هذا العنصر أن نشير إلى دور المستعمر الفرنسي في تنام الفكر الصهيوني في تونس انطلاقا من مبدأ "فرق تسد" فكان الاستعمار يغذّي الشعور بالاضطهاد لدى اليهود ليضمن عدم تحالفهم مع أيّة مجموعات سياسيّة وطنيّة في المقابل كان يعمّق فكرة ارتداد اليهود في نظر المسلمين و ذلك بمنح أغلبهم الجنسيّة الفرنسيّة.

 

 

2/الخطر الصهيوني

 

من الثبات أن للصحافة اليهودية في تونس دور هام في انتعاشة الصهيونية فمنذ بداية القرن العشرين بدأت تظهر صحافة صهيونية مستقلة استطاعت أن تثبت وجودها من خلال قدرتها على التأثير في الجماهير الشعبية اليهودية كما استطاعت أن تزاحم بقية الصحف اليهودية على اختلاف اتجاهاتها كذلك بعض الصحف الأخرى الموجودة على الساحة وقد بلغت ذروتها في الفترة الممتدة ما بين الحربين ويذكر ''حاييم سعدون '' وهو أستاذ في الجامعة الحرة في اسرئيل في بحث له بعنوان'' تأثير الصهيونية في العلاقات بين اليهود والمسلمين في تونس'' إن الصحافة الممثلة للتيار الصهيوني في تونس كانت تعد على الأقل 36 جريدة من مجموع 150 جريدة ودورية ''وهذا ما يبين سرعة تفاقم الوعي الصهيوني في المدة الوجيزة التي ظهر فيها هذا التيار في تونس.

ورغم أهمية التيار الصهيوني فإننا لا نرى ضرورة للتعريف به لأسباب عديدة أهمها أن الصهيونية مبحث تناولته دراسات عديدة و ما سنقدمه لن يكون إلا تكرارا لما ذكر أما في هذا العنصر سنحصر اهتمامنا في حركة من حركات التيار الصهيوني وهي حركة التنقيحية  والتي تمثلها جريدة '' اليقظة اليهودية'' وهي من أهم الصحف الصهيونية في تلك الفترة لذلك فإننا سنذ كر بأصول هذا التيار وظهوره في تونس و كيفية توظيفه للصحافة لخدمة مصالحه.

 

تعتبر "الصهيونية التنقيحية" حركة يمينية متطرفة تنتمي إلى حزب "زوهار" التنقيحي الذي أسسه الروسي فلاديمير جابوتنسكي سنة 1925 وهي الأكثر الحركات الصهيونية تعصبا في العالم, فهي ترفض اعتماد الحلول السياسية الدبلوماسية لتحقيق الأهداف الصهيونية وتدعو في المقابل إلى اعتماد الحلول العملية لإقامة دولة إسرائيل مثل السعي إلى تهجير أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين بهدف سرعة تهويدها وإسقاط حق الفلسطينيين العرب فيها بالاظافة إلى عسكرة كل الشباب الصهيوني في المستوطنات أما في تونس فقد كانت بداية الحركة التنقيحية في نفس السنة التي تأسس فيها الحزب

وكان" الفراد فالنسي" مؤسس أول منظمة صهيونية بتونس أول من سارع إلى الانضمام إلى الحزب وأصبح عضوا في مجلسه العالمي و لعل شعبية هذا الرجل ساهمت أيضا في سرعة انتشار الحركة ونجاحها في كل المدن التونسية ومن إفرازات المرحلة ظهور جريدة اليقظة اليهودية التي كانت تعبر عن مطالب التنقيحيين وأرائهم وتحرك الجماهير اليهودية في تونس  وباقي المستعمرات الفرنسية باتجاه الهدف المنشود ''بناء القومية الصهيونية''

كانت أول المهام الموكولة إلى الجماعة التنقيحيين في تونس والى الصحف التي تمثلهم بالإضافة إلى توسع رقعة الوعي الصهيوني جمع أكبر قدر ممكن من التبرعات للمساهمة في بناء الوطن اليهودي فكانت جريدة اليقظة تتولى مهمة التعريف بالصناديق الصهيونية الخاصة بالتبرعات وحث اليهود بكل طبقاتهم على المساهمة فيها ولعل أهم هذه الصناديق هو الصندوق القومي اليهودي  ولعله يجدر بناء أن نقر بأن التيار الصهيوني لاسيما التنقيحي استطاع أن يختصر عمل قرون في بضع سنوات و تجاوز العمل التنظيري إلى العمل التطبيقي المباشر. فكل يهودي في المخطط الصهيوني مجبر على المساهمة من موضعه في بناء الوطن لقد تحولت عملية التبرع لدى الصهاينة إلى عملية تباهي وتفاخر بين المنظمات العالمية وحتى بين الجماعات المحلية ففي مقال صدر بعنوان ''إلى العمل'' حثت جريدة اليقظة اليهود في كل المدن الداخلية على الاقتداء بالجالية اليهودية  في سوسة التي استطاعت إن تقدم للنائب العام للصندوق القومي اليهودي سترازبورغ مبلغا قدره 5 ألاف فرنك وهي عائدات حفل نظمته بتاريخ 24 جانفي 1926 لقد اعتبر التيار التنقيحي المسألة اليهودية مسألة قومية بالأساس لذلك كانت الهوية من أهم القضايا التي طرحتها الجريدة و قد أصدرت سلسلة بعنوان ''هل نحن تونسيون'' صدر أول مقال منها 19 من ديسمبر 1924 ونحن نعتبر أن مقالا كهذا على درجة كبيرة من الخطورة لأنه يطعن في هوية اليهود التونسيين بل أكثر من ذلك فهو يضيق عليهم الخناق ويجعلهم في مواجهة مع ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. يقول صاحب المقال ''هل نحن تونسيون ؟'' هذا ما يقال وما تؤكده النصوص وما تكرره السلطات العمومية ولكن اليهود أنفسهم المعنيين بالأمر مازالوا يتساءلون إذا كانوا أولا من رعايا الباي. إن لليهود ألف حق في أن يعتبروا أنفسهم أجانب وأن يحولوا أنظارهم باتجاه فرنسا التي تستطيع على الأقل أن تمنحهم قضاء عادلا وتعطيهم الجنسية على أسس صحيحة''.

لقد قابلت النخب المسلمة بقيادة الزيتونيين وعلى رأسهم الشيخ محمد صالح النيفر  الحركات الرامية الى معادات الوحدة الوطنية والقومية والداعية الى التفرقة بين أفراد الأمة الواحدة بكثير من الحذر والصد فبالاضافة الى القضايا الموكولة اليهم مثل مقاومة الاستعمار والفساد في السلطة والفقر والأمية ونشر الدين. كان على الشيخ وجماعته ابداء مواقف صارمة من قضايا لا تقل خطورة مثل تجنيس اليهود والفكر الصهيوني الذي لا يشكل خطرا على البلاد التونسية فحسب بل على الامة العربية.

 

3/الشيخ محمد صالح النيفر ومشروعه الفكري :


في هذا العنصر لا نرى ضرورة للتعريف بالشيخ اذ سبقتنا في ذلك كريمته  الاستاذة أروى النيفر وهي أقدر منا على ذلك إلا انني أستسمحكم  قبل الحديث عن مشروعه الفكري في الوقوف عند نقطة هامة وهي نقطة منهجية شكلت عائقا أمامنا أثناء انجاز هذه المداخلة والمتمثلة في ندرة المراجع الخاصة بتاريخ وانجازات الشيخ وهو أمر مستنكر مقارنة بتاريخ الرجل ونظالاته حتى أننا لا نجد أثرا للحديث عن مشروعه الفكري ودوره في الحركة النضالية ضد الاستعمار في كتب التاريخ المعاصر أو كتب التاريخ في المناهج الدراسية والجامعية وهو أمر في –تقديرنا- يدعو الى الفزع لأن التاريخ في نظرنا حدث مكتمل وكل حدث مكتمل حقيقة والحقائق لا تقبل التأويل والتزييف. الا أن كتابة التاريخ في بلادنا خاضعة لمنطق الاقصاء والغربلة وتسليط الأضواء على شخصيات دون أخرى وهو ما يمكن أن نسميه ''بتسييس التاريخ''.

ان الانظمة  المتعاقبة على البلاد التونسية بصفة خاصة والبلاد العربية بصفة عامة سعت باستمرار الى تسيس تاريخ الفكر وتقديمه للأجيال اللاحقة في الصورة التي تتماشى معا اديولوجياتها  وسياساتها لذلك كان الاقصاء مصير كل مفكر لا يجلس في حضرة السلطان كذلك كانت علاقة الشيخ بالسلطة تلك العلاقة الجدلية السرمدية بين المثقف والسلطان فلا عجب اذ لم نجد ذكرا لمفكر اسلامي مثل الشيخ النيفر بين صفحات تاريخ البلاد التونسية.

إن الكتابة المؤدلجة لتاريخ تونس المعاصر خاصة ما بعد الاستقلال لم تبق إلا على من يتماشى فكرهم مع السياسة العامة للبلاد, فلا أثر لشيوخ زيتونيين في دولة علمانية أو مفكرين قوميين في دولة الوحدة الوطنية (ولكن الخوف, كل الخوف أن لا يكون لهم ذكر أيضا في دولة نظامها إسلامي)

إن عملية طمس الحقائق التي تعرض لها التاريخ الشيخ النيفر النضالي خاصة فيما يتعلق بموقفه من   التيار الصهيوني والقضية القومية دليل قاطع على مكانة الرجل وحجم الخطر الذي كان يشكله على السلطة, والسلطة هنا لا تحمل مدلولا واحدا بل هي متعددة فهي سلطة استعمارية الفرنسية التي كانت تخشى تأثيره في الشباب و دعوتهم للوحدة القومية و الوطنية كما كانت تخشى تعامله مع الألمان وتحالفه معهم.

كما تجسدت السلطة أيضا من خلال الاحتلال النازي الذي كان يأمل أن يتحالف الشيخ فعلا معه ويسانده في تعبئة الشباب ضد المحورو في حرب الإبادة التي كان  يشنها على اليهود والتي رفضها الشيخ.

كما تجسدت السلطة أيضا في الحزب الدستوري التونسي الذي كان يخشى شعبية الشيخ النيفر وجمعية الشبان المسلمين التي فاقت في أحيان كثيرة شعبية الحزب نظرا لأن الوازع الديني كان أقدر على تعبئة الشباب من الوازع الوطني.

إذن كانت السلطة متعددة وأهدافها متباينة لكن المشروع الفكري للشيخ النيفر ثابت وقار وهو نصرة فلسطين والتصدي للصهيونية من خلال الوحدة القومية أولا والوحدة الوطنية ثانية ومقاومة كل أشكال الانشقاق والتفرقة بين أفراد الأمة الواحدة بما فيهم الأقلية اليهودية.

ومن المهم جدا أن نبين أن الشيخ النيفر رغم معاداته الشرسة للصهيونية التي أطلق عليها اسم" الطفل المدلل" فانه كان يفصل تماما بين المسألة الصهيونية والمسألة اليهودية وهذا ما يتجلى من خلال كتاباته إذ كان كثير التعاطف مع اليهود التونسيين ويعتبر مسألة انتمائهم إلى الوطن من المسلمات حتى أنه رفض التعامل مع الألمان على خلاف غيره من النخبة التونسية إذ كان يدرك أن سياسته إجرامية وعنصرية إذ يقول الشيخ: ''والواقع أن الألمان ظلموا اليهود أعرف تلك الدار التي دخلنا فيها كانت فخمة فيها أثاث بلور لليهود ألقوا به في الشارع وسكنوها''

كما كان من النخبويين المسلمين القلائل الذين رفضوا إقصاء المجموعة اليهودية من جمهورية ما بعد الاستقلال.وعلى عكس غيره من الزيتونيين الذين اتهموا المجموعة اليهودية بالخيانة على اعتبار أن لها صلة بالقوى الاستعمارية أبى الشيخ إلا أن يكونوا جزءا من الوحدة الوطنية ويذكر في كتابه أن بورقيبة قد سأله قبيل الاستقلال '' عندما نأخذ الحكم ماذا سنفعل مع اليهود والنصارى'' فقلت ''لهم ما لنا وعليهم ما علينا ''

لقد كان الشيخ مدركا تماما أن العمالة مع الاستعمار لم تكن حكرا على اليهود بل أيضا على بعض المسلمين من أصحاب النفوس الضعيفة والدليل على ذلك أن قضية التجنيس التي كان للشيخ فيها موقفا صارما وجريئا لم تكن حكرا على اليهود فحسب بل سارع إلى اعتناقها عدد كبير من المسلمين.

إلا أن الشيخ كان واضحا في موقفه من الصهيونية ومشروعها الاستيطاني في فلسطين ويعتبر أن الخطر الصهيوني سواء كان على الصعيد الداخلي أو على الصعيد العربي لا يخرج عن إطار الحرب القديمة التي يشنها الغرب على الشرق وأن الكيان الصهيوني ليس إلا ذلك العنصر المريض الذي زرع في الجسد العربي ليبقيه عليلا إذ يقول ''فماذا يسمى بربكم هذا المعلن عنه الذي يقدر الإعلام العالمي أن يخفي واقعه من تشنيع وتدبير وعمل وما تقوم به اليهودية في فلسطين, ومن حرب النصارى وإخوانهم الأمريكان أليس ذلك يمثل ويجسد ويجهر ويحمل رايات الصلبان". لقد رأى الشيخ في الحركة الصهيونية في أهدافها وغاياتها امتداد للحروب الصليبية التي عرفها العرب في السابق إذ يقول''بني قومي وإخواني أعلنها سافرة, حقيقية مفضوحة, فاضحة فلسنا نقدر أن نقول أن الحروب الصليبية ماتت في غضون أحقاب ماضية  هذا هراء, وقلب للواقع بين الورى بل هي حية ترزق قوية في عنفوانها, عظيمة أركانها"

لذلك جند الشيخ نفسه وإخوانه ممن امنوا بمشروعه الفكري على امتداد مسيرته النضالية للتصدي للخطر الصهيوني وكان التصدي كما اشرنا على صعيدين صعيد عملي وصعيد نظري

صعيد نظري متجسد في النقاط التالية

-التعريف بالخطر الصهيوني وفضح أهدافه وغاياته والأطراف التي تدعمه من خلال كتاباته في الساحة المحلية والعربية. - تنمية الوعي السياسي لدى الشباب وتعبئته لمجابهة أي شكل من الأشكال العنصرية والاستعمارية سواء كان الاستعمار الفرنسي والكيان الصهيوني

-التركيز على مفهوم الوحدة والعمل الجماعي وهو صلب المشروع الفكري للشيخ النيفر.

أما على الصعيد العملي فقد تمكن الشيخ خاصة من خلال جمعية الشبان المسلمين أن يغلب العمل على القول فكانت انجازاته تفوق مقالاته إذ اتخذ جملة الإجراءات الهامة في مجابهة الخطر الصهيوني من ذلك تجنيد الشباب المسلم الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و 25 سنة للتطوع 1 للمقاومة المسلحة ضد الكيان الصهيوني.

- إصدار فتاوى تحرّم التجنيس للمسلمين و تجرّم تجنيس اليهود باعتبارهم جزءا من الوحدة الوطنيّة.

- جمع التبرعات لفائدة المقاومة العربيّة من خلال بيع قصاصات عنوانها إلى نصرة فلسطين.

ورغم أهمية هذه الخطوات إلا أنّها كانت محاطة بقبضة أمنيّة مشدّدة تحدّ من فاعليّتها  فكان الاحتلال الفرنسي يناصر الصهيونيّة و يتصدّى لمن يهاجمها.

من ناحية أخرى كان للحزب الحرّ الدستوري التونسي يترصّد خطوات الشيخ و يحاصرها مدّعين في ذلك خوف من تقدّم القضيّة الفلسطينيّة على حساب القضيّة الوطنيّة.

الخاتمة

قام الخطاب الفكري للشيخ محمّد صالح النيفر على مقاومة المشروع الصهيوني و سعى إلى الكشف عن طبيعته الاستعمارية و العنصرية و سعى من خلال نشاط في جمعيّة الشبان المسلمين ثم من خلال ترأسه للمجلة تعبئة الجماهير وخاصّة الشباب لمواجهة نشاطات الحركة الصهيونيّة داخل و خارج البلاد التونسيّة و قد تعددت مظاهر دعم الشيخ و جماعته للقضيّة الفلسطينيّة منذ بداية الثلاثينات و لم يتعارض تبنيه لهذه القضيّة مع القضيّة الوطنيّة و مجابهة الاستعمار الفرنسي إذ كان يعتبرهما وجهان لعملة واحدة.

 وفي الختام حاولنا من خلال تحليل هذه العناصر أن نتعرّف على حركة فكريّة اجتماعيّة و سياسيّة كانت تتغلغل و تتبلور في صلب المجتمع التونسي. حركة مختلفة في الفكر في الأسلوب و في الغايات عن المسار العام لباقي المجتمع التونسي

تجسدت من خلال الصحافة اليهودية في تونس

كما حاولنا الكشف عن شبكة العلاقات الخارجيّة المتمثلة في علاقات المجموعات اليهوديّة في تونس بالقوى الاستعماريّة ثم بالكيان الصهيوني و ببعض الأحزاب الصهيونيّة العالميّة أو بعض المنظمات اليهوديّة مثل الرابطة الإسرائيلية العالميّة أمّا شبكة العلاقات الدّاخليّة فهي تطرح جملة من العلاقات بين اليهود و السلطة و بين اليهود و المسلمين في بعديها البسيط و النخبوي.

كما سعينا إلى قراءة صورة الأخر، الأخر المختلف في الفكر و الدّين و العرق في المشروع الفكري و التربوي للشيخ محمّد صالح النيفر الذي فصل فيه كلّيا بين المسألة الصهيونية و بين علاقة المسلمين باليهود في تونس و ذلك من خلال ترسيخ مفهوم التسامح الديني و التركيز على مفهوم الوحدة الوطنيّة.

 

 

 
 

Partager cet article

Repost0